بارزان علي
حين نتحدث عن أزمة الحركة الكردية في سوريا، ينبغي أن نسأل عمّا يجري داخل أحزابها، في العلاقة بين القيادة والقاعدة، وبين المسؤول وصاحب الرأي المختلف. فالحديث عن غياب المشروع وتكرار الانقسامات يقودنا إلى سؤال أعمق: أيّ إنسان نبني داخل التنظيم؟ إنسانًا يفكر ويسأل ويتحمّل المسؤولية، أم عضوًا يتعلّم كيف يرضي المسؤول ويحافظ على موقعه؟
يمكن تأمّل هذه الأزمة من خلال خمسة اختبارات: الاختلاف، والقراءة، والسؤال، والعادات، والعلاقة بالذات.
الاختبار الأول يظهر عندما نختلف. من السهل أن يتحدث القائد عن الديمقراطية أمام مؤيديه؛ الامتحان يبدأ حين يعترض رفيق على قراره، أو يقدّم تصورًا يخالف تصوره. هل يناقش الفكرة، أم يبدأ البحث عن دوافع صاحبها وولائه وعلاقاته؟
حين يصبح الاختلاف سببًا للإقصاء، يخسر الحزب قدرته على تصحيح أخطائه. ويصبح القرب من القيادة أهم من الكفاءة، بينما يبتعد أصحاب المبادرات أو يُدفَعون إلى الصمت. هكذا يمكن أن يبدأ الانقسام قبل إعلان أي انشقاق: عندما تضيق المؤسسة بالرأي الذي كان يمكن أن يجد مكانًا فيها.
نحتاج إلى مساحة نختلف فيها ونواصل العمل معًا. فالاتفاق على حقوق شعبنا لا يفرض التطابق في كل اجتهاد سياسي أو تنظيمي.
والاختبار الثاني هو القراءة والتعلّم. لا تكفي سنوات الانتماء الحزبي لتكوين قائد، كما لا تكفي متابعة الأخبار لفهم المجتمع. العمل السياسي يحتاج إلى دراسة وتحليل وتدريب، وإلى مراجعة التجارب السابقة، بما فيها أخطاؤنا نحن.
وهنا يأتي السؤال الذي طرحناه بشأن الدعم والمال السياسي: ما نصيب بناء الإنسان منهما؟ أين موقع تأهيل الكوادر، ودعم الطلاب والمعلمين، وإعداد الدراسات، وتطوير قدرات القواعد الحزبية في أولويات الإنفاق؟
لا يصح اعتبار الدعم سببًا تلقائيًا للانقسام؛ المشكلة تظهر حين تغيب الشفافية وتتحول الموارد إلى وسيلة لتثبيت الولاءات. المال الذي تديره مؤسسة خاضعة للمحاسبة يستطيع أن يبني قدرات، والمال الذي يرتبط برضا الأشخاص قد يعمّق التبعية لهم.
والاختبار الثالث هو حق السؤال. لماذا اتُّخذ هذا القرار؟ كيف صُرفت الموارد؟ ما معيار اختيار الممثلين؟ وما الذي تحقق من البرنامج؟
هذه أسئلة طبيعية في أي مؤسسة تحترم أعضاءها. وعندما يُعامَل السؤال باعتباره إساءة أو تشكيكًا، تتوقف المحاسبة ويبدأ التستر على الأخطاء. العضو الذي يسأل يساعد حزبه على رؤية ما قد لا تريد القيادة رؤيته. أما تربية القواعد على السكوت فتجعل الخلل يستمر إلى أن يتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.
والاختبار الرابع هو العادات اليومية. هوية الحزب تظهر في ممارساته المتكررة: كيف يعقد اجتماعاته؟ هل يوثّق قراراته ويتابع تنفيذها؟ هل يحترم مواعيد مؤتمراته؟ هل يتيح المعلومات لأعضائه؟ وهل يطبق القواعد نفسها على المسؤول والعضو؟
يمكن كتابة أجمل البرامج، لكن عادات التأجيل والمجاملة واحتكار المعلومات تعطلها. وفي المقابل، فإن انتظام المحاسبة والتدريب والانتخاب واحترام القرار الجماعي يحوّل العمل المؤسسي إلى ممارسة يعرفها الجميع ويستطيعون الدفاع عنها.
أما الاختبار الخامس فهو علاقة القائد بذاته. هنا يجب أن نميّز بين الاعتزاز بالكفاءة والاعتقاد بأن المؤسسة لا تستطيع العيش من دون صاحبها. من حق الإنسان أن يعرف قيمته وأن يدافع عن رأيه، لكن هذه الثقة تفقد معناها حين تعفيه، في نظر نفسه، من النقد أو تداول المسؤولية.
القائد الواثق يستطيع أن يهيّئ من يخلفه، ويقبل أن يتفوّق عليه رفيق، ويواصل خدمة قضيته بعد مغادرة المنصب. أما من يرى كل كفاءة جديدة تهديدًا، فإنه يضيّق مستقبل المؤسسة ليضمن استمرار موقعه.
بهذا المعنى، فإن فتح الطريق أمام الحركة الكردية يبدأ من تغيير علاقتها بالإنسان داخلها: حماية المختلف، وتأهيل الكادر، واحترام السؤال، وترسيخ الممارسة المؤسسية، وربط القيادة بالمسؤولية والمحاسبة.
وعلى القيادات التي استنفدت قدرتها على تقديم مشروع أن تفسح المجال، عبر انتخابات حقيقية وقواعد واضحة، لمن يملك المعرفة والاستعداد للعمل. فالقواعد الحزبية ليست جمهورًا للتصفيق، والكفاءات ليست خطرًا ينبغي إبعاده.
كيف نُعدّ إنسانًا يدافع عن حرية شعبه، إذا كان يخشى التعبير عن رأيه داخل حزبه؟

