ليلى قمر
في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، وتداخلت فيه الوطنية بالمصالح الشخصية، أصبح من الضروري أن نتوقف لحظة، لا لنسأل عن عدد الشعارات التي يرفعها السياسي، ولا عن حجم الخطابات التي يلقيها باسم الشعب، بل لنسأل سؤالًا أكثر عمقًا: هل يعمل من أجل القضية التي يدّعي الدفاع عنها، أم أنه يتخذ منها وسيلة لتحقيق مصالحه الخاصة؟
فليست الوطنية كلمات تُقال أمام الجماهير، ولا شعارات تُرفع في المناسبات، ولا مواقف تُستخدم لكسب التعاطف والتأييد.
الوطنية الحقيقية مسؤولية، وموقف، والتزام أخلاقي تجاه الناس والقضايا التي يُفترض أن يمثّلها الإنسان ويدافع عنها.
لكنّ المأساة تبدأ عندما تتحوّل القضية العامة إلى مشروع شخصي، وعندما يصبح وجع الناس سلّماً للصعود، ومعاناتهم وسيلة لصناعة النفوذ، ومطالبهم مادة للاستثمار السياسي. عندها لا يعود الدفاع عن الشعب غاية، بل يتحوّل إلى أداةٍ تخدم طموحات فردية، مهما حاول صاحبها تغليفها بخطاب الوطنية والحرص على المصلحة العامة.
حين تصبح القضية واجهة للمصلحة الشخصية
ليس كل مَن تحدّث باسم الشعب مؤمنًا فعلًا بقضيته، وليس كل مَن رفع راية المظلومية مستعدًا لتحمل مسؤولية الدفاع عنها. فهناك مـن يقترب من القضايا العامة بقدر ما تمنحه من حضور وشهرة ومكاسب، ويبتعد عنها عندما تتعارض مع مصالحه أو تهدد موقعه.
هذا النوع من الممارسة لا يظهر دائمًا بصورة واضحة؛ فقد يتحدّث صاحبه بلغة حماسية، ويقدّم نفسه بوصفه صوت المظلومين، ويهاجم الفساد والاستغلال، لكنه في الوقت نفسه قد يمارس السلوك ذاته الذي ينتقده عندما تتاح له الفرصة.
المشكلة ليست في أن يمتلك الإنسان طموحًا سياسيًا، وإنما في أن يجعل من قضية الناس وسيلةً لتحقيق طموحه على حساب الحقيقة والمبادئ.
فالسياسة، حين تنفصل عن الضمير، يمكن أن تتحوّل من وسيلة لخدمة المجتمع إلى وسيلةٍ لإدارة المصالح، ومن مسؤولية عامة إلى بحث مستمر عن المكاسب والنفوذ.
النفاق السياسي… عندما تتغيّر المواقف بتغير المصالح
من أخطر مظاهر النفاق السياسي أن تصبح المبادئ قابلة للتبديل بحسب الظروف، وأن يتغيّر الموقف لا لأنّ الحقيقة تغيّرت، بل لأنّ المصلحة الشخصية تغيّرت.
فقد نجد مَن يندّد بالممارسات نفسها عندما تصدر عن خصومه، ثم يبرّرها عندما تصدر عن حلفائه أو المقرّبين منه. وقد يدافع عن العدالة في موقف، ويتجاهلها في موقف آخر، ويستخدم القوانين والمعايير ذاتها بصورة انتقائية، وفقًا لما يخدم موقعه أو صورته أمام الجمهور.
وهنا يبرز السؤال: هل المبدأ ثابت، أم أنه مرتبط بالأشخاص والجهات والمكاسب؟
إنّ الاختلاف السياسي أمر طبيعي، وتعدد وجهات النظر حق مشروع، لكن التناقض بين المواقف لا يمكن تبريره دائمًا بالاختلاف في الرؤية. فعندما يصبح المعيار مزدوجًا، ويُدان الفعل عند الخصم ويُبرّر عند القريب، فإننا نكون أمام خلل في الممارسة السياسية والأخلاقية، يستحقّ النقد والمساءلة.
المتاجرة بمعاناة الشعب
الشعب ليس مادة انتخابية، ولا أداة لإثبات الحضور، ولا جمهورًا يُستدعى عند الحاجة ثم يُنسى بعد تحقيق الغاية.
ومع ذلك، تُستغل قضايا الناس أحيانًا في الخطابات والبيانات والمواقف العلنية، فتُطرح المعاناة بصورة عاطفية، وتُضخّم بعض الشعارات، بينما تغيب الحلول الواقعية، ويُترك المواطن أمام مشكلاته دون تغيير ملموس.
إنّ المتاجرة بالقضايا لا تعني بالضرورة أنّ كلّ مَن يتحدّث عنها كاذب، فهناك مَن يدافع عنها بصدقٍ، وهناك مَن يختلف في أسلوبه أو تقديره للأولويات. لكن المعيار الذي يستحقّ التوقف عنده هو مدى التوافق بين الخطاب والممارسة، وبين الوعود والنتائج، وبين ما يُقال أمام الناس وما يُفعل بعيدًا عن أعينهم.
فالقضية العادلة لا تحتاج إلى أن تكون ملكًا لشخص، ولا ينبغي أن تتحوّل إلى وسيلةٍ لاحتكار تمثيل الناس أو إسكات الآخرين باسم الدفاع عنهم.
الوطنية ليست احتكارًا ولا امتيازًا شخصيًا
من الأخطاء التي تُمارس في الخطاب السياسي أن يمنح بعض الأشخاص أنفسهم حق تحديد مَن هو الوطني ومَن هو الخائن، ومَن يحقّ له الحديث باسم الشعب ومَن يجب أن يصمت.
فالوطنية ليست شهادة يمنحها فرد لآخر، ولا امتيازًا تحتكره جهة أو جماعة. وهي لا تُقاس بارتفاع الصوت، ولا بكثرة الاتهامات، ولا بمدى القدرة على إقصاء المختلفين.
قد يختلف أبناء الوطن في آرائهم، وفي قراءتهم للأحداث، وفي الوسائل التي يرونها مناسبة لتحقيق أهدافهم. وهذا الاختلاف لا يجعل أحدهم بالضرورة عدوًا للوطن أو متاجرًا بقضيته.
لكنّ من حق المجتمع أن يسأل كل مَن يتصدّر المشهد العام:
* هل مواقفك ثابتة عندما تتغير الظروف؟
* هل تطبّق على نفسك المعايير التي تطبقها على الآخرين؟
* هل تضع مصلحة الناس فوق مصلحتك الشخصية؟
* هل تقبل النقد والمساءلة، أم تعتبر كل اعتراض عليك استهدافًا لقضيتك؟
* هل تملك مشروعًا حقيقيًا لخدمة الناس، أم تكتفي بتكرار الشعارات؟
هذه الأسئلة ليست استهدافًا لأحد، بل جزء من الوعي الذي يحتاجه المجتمع كي لا يصبح أسيرًا للخطابات المؤثرة دون أن ينظر إلى مضمونها ونتائجها.
حين يصبح الصوت الأعلى بديلًا عن الحقيقة
من المؤسف أن يتحوّل النقاش العام أحيانًا إلى منافسة في رفع الصوت، بدلًا من أن يكون مساحة لعرض الحقائق ومناقشة الأفكار.
فقد يمتلك صاحب الموقف الأضعف قدرة أكبر على الصراخ، أو على حشد المؤيدين، أو على استخدام الاتهامات، بينما يختار صاحب الحق أحيانًا الهدوء والتريث. لكنّ ارتفاع الصوت لا يمنح صاحبه حقًا إضافيًا، وكثرة المؤيدين لا تجعل الادعاء حقيقة تلقائيًا.
إنّ المجتمع الواعي لا ينبغي أن يحكم على القضايا وفقًا لمن يتحدّث بصوتٍ أعلى، بل وفقًا للأدلة، والوقائع، والسلوك، والقدرة على تحمل المسؤولية.
فالحق لا يحتاج إلى ضجيج دائم كي يكون حقًا، والباطل لا يتحوّل إلى حقيقة بمجرد أن يجد من يروّج له.
وهنا المسؤولية تقع على السياسي وعلى المجتمع،
ولا يمكن تحميل السياسي وحده مسؤولية انتشار هذا النوع من الممارسات، لأنّ المجتمع نفسه يمتلك دورًا مهمًا في تعزيز الوعي السياسي والأخلاقي.
فعندما يُكافأ الشخص على الشعارات دون الأفعال، وعلى الانتماء الشخصي دون الكفاءة، وعلى الهجوم على الآخرين دون تقديم الحلول، فإنّ البيئة العامة قد تشجّع على استمرار هذه السلوكيات.
أما عندما يصبح المواطن أكثر قدرةً على التمييز بين الخطاب والممارسة، وبين النقد الهادف والتشهير، وبين الدفاع عن القضية واستغلالها، فإنّ مساحة التلاعب تتقلّص، وتزداد أهمية العمل الحقيقي.
المطلوب ليس أن نفقد الثقة بكل مَن يعمل في المجال العام، ولا أن نضع جميع السياسيين في خانة واحدة، بل أن نتعامل مع المواقف بعقل نقدي، وأن نحاسب الأفراد على أفعالهم، لا على الشعارات التي يرفعونها وحدها.
القضايا العادلة أكبر من الأشخاص
إنّ أي قضية تخصّ الشعب ينبغي أن تبقى ملكًا للناس، لا أن تُختزل في شخصية واحدة أو جماعة واحدة أو مشروع فردي.
فالقضايا العادلة لا تموت بخروج شخص من المشهد، ولا تنجح بالضرورة بسبب بروز شخص آخر. قيمتها الحقيقية تكمن في عدالتها، وفي حقوق أصحابها، وفي الجهود الصادقة التي تُبذل لتحقيقها.
ومن هنا، فإنّ الدفاع عن قضية ما لا يمنح صاحبها حصانة من النقد، كما أنّ انتقاد أداء شخص لا يعني بالضرورة رفض القضية التي يتحدّث باسمها.
يمكن أن نؤمن بالقضية ونختلف مع مَن يمثّلها، وأن ندعم حقوق الناس دون أن نمنح أحدًا تفويضًا مفتوحًا لاستغلالها.
وهذه من أهم القواعد التي ينبغي أن تحكم الوعي العام: أن تبقى المبادئ فوق الأشخاص، وأن تبقى مصلحة المجتمع فوق الحسابات
في النهاية، لا تُقاس الوطنية بحجم الادعاء، ولا بعدد المرات التي يكرّر فيها الإنسان أنه يعمل من أجل الشعب، بل بما يقدّمه من أفعال، وما يتحمّله من مسؤولية، ومدى التزامه بالمبادئ عندما لا تكون في صالحه.
إنّ النفاق السياسي لا يضرّ بالسياسي وحده، بل يترك أثرًا عميقًا في ثقة الناس بالمؤسسات، وبالخطاب العام، وبإمكانية التغيير. وعندما يشعر المواطن أنّ قضيته تُستخدم من أجل مصالح الآخرين، فإنه يفقد الثقة، ويتحوّل الأمل إلى خيبة، والمشاركة إلى عزوف.
لذلك، فإنّ مواجهة المتاجرة بقضايا الشعب تبدأ بالوعي، وبالمساءلة، وبالتمييز بين مَن يجعل القضية هدفًا، ومَن يجعلها وسيلة.
فالوطنية الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض، والصدق لا يحتاج إلى أقنعة، والقضايا العادلة لا ينبغي أن تكون جسرًا يعبر عليه أصحاب المصالح نحو مكاسبهم الخاصة.
ولعلّ أهم ما نحتاج إليه اليوم هو أن نعيد للسياسة معناها الأخلاقي، وللوطنية مضمونها الحقيقي، وللعمل العام قيمته التي لا تُبنى على الأشخاص، بل على خدمة الإنسان وصون كرامته وتحقيق المصلحة العامة.
فمن أراد أن يكون صوتًا للشعب، فليكن صوته صادقًا، وموقفه ثابتًا، وفعله شاهدًا على ما يقول.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “٣٤٨”

