بهجت شيخو

كان الوقت بعد منتصف النهار، وبعد الغداء مباشرة  داهمته هجمة سعال حاد ،و كأنه يريد قطع انفاسه فهرع الى المغسلة كالعادة ليبصق ما تجلبه حنجرته من القشع الملعون و الذي يرافقه منذ عدة سنوات، و لكنه تفاجأ انّ المبصوق ليس كما توقعه و انما كان دماً، عندها انتابه مزيدٌ من الخوف و خاصةً أنه يبعد عن أسرته مسافات بعيدة و هو طالب يدرس في جامعة تشرين بمحافظة اللاذقية، وأما هو فجلب مرضه من الجزيرة الكُردية في محافظة الحسكة، حيث تكثر فيها الكثير من الأمراض المعدية و السارية لأنها تفتقر إلى الكثير من المرافق الصحية و المستشفيات ؛ كونها تمثل حالة استثنائية، ليس فقط في الحالات السياسية، و انما حتى تفتقر لتلك الخدمات الإنسانية .

و لكن مشواره بالوقوف أمام المغسلة طال وهو ما زال ينزف دماً، و لكن عندما رفع رأسه شاهد وجهاً يحدّق إليه مذهولاً و تحدّث بشيئٍ من الارتباك آانت تنزف دماً؟ فردّ بصوتٍ منخفض: كما ترى أخي فريد .

و لكن فريد قال له: يجب إسعافك إلى المشفى. فأومأ برأسه بالموافقة و ما هي إلا لحظات حتى كان جالساً في التكسي برفقة صديقه فريد، و لكن أهم ما كان يتمناه أن لا تهاجمه تلك السعلة الملعونة فيلوّث فرش التكسي و لكن لحسن الحظ أن الحالة لم تعاوده، دخلوا جناح الإسعاف و تمّت معاينته و من ثم فرزه لجناح الصدرية في الطابق الثاني و الغرفة الخاصة به ،و عند صعوده و تمدده فوق السرير اجتاحته تلك الهجمة من السعال فسارع بعجالة الى المغسلة لينزف مرة أخرى، و لكن هذه المرة بقوةٍ أكبر و استمرّ لحوالي نصف ساعة متواصلة دون أن يتوقف .

كان بين الحين و الأخر ينظر إلى من حوله؛ ليأخذ نفساً قد ينهي هذه المهزلة، و لكن ما أحزنه بقايا دموع فريد المنسكبة والذي يقف بجنبه ساكناً شاحباً، فابتسم و قال لصديقه: لا تبكِ هذه ليست المرة الآولى سأكون بخير يا فريد .. و لكنه في داخله كم كان يريد أن ينفجر بالبكاء و يصرخ: لماذا يا ألهي ؟ … ما زلت شاباً و الموت ليس في آوانه، و لكنه أبى ذلك حتى لا يشعر صديقه وهؤلاء المرافقين الذين يرافقون مرضاهم بالشفقة عليه و يتهمونه بالجبن .

لكن بعد ما يقارب الساعة توقّف نزفه، و عاد إلى سريره ، ثم تمّ حقنه بعدة حقنات مضادة للنزف مع جرعات السيروم، فاستسلم للنون و لم يستقيظ إلا في الصباح الباكر اذ شاهد الممرضة تقف أمامه، و تقول له: كيفك اليوم ؟ فردّ بالاجابة عليها دون أن يتمم الجملة ..
حتى قالت له : سلامتك ألف سلامة .

كما أردفت قائلة: نحن نتأسّف لنقلك إلى قسم الأمراض المعدية و السارية؛ لأنه هكذا تقتضي الإجراءات .

طبعاً كان يعرف هو أنه يعاني من مرض معدي و سيحترم حتماً تلك الإجراءات احترازاً لمنع العدوى أو نقل المرض لأشخاص سليمين ..

رافقته لغرفته بكل رقة و حنان ، و اعتذرت له و كأنها تعرفه منذ سنوات و قالت: أنا مسؤولة عن جناح قسم الامراض السارية، وإن كنت بحاجة لأي شي فقط خبرني.

و شكرها بابتسامته المعهودة،و خرجت بوداع قائلة: ما عليك إلا العافية .

و لكن تكررت جولاتها له في اليوم أكثر من المعتاد وأخذت تجلس أمامه على الكرسي و تنظر إليه بعيون دافئة و كأنها تقول له أشياء أخرى غير علاقة الممرضة بمريضها ،ولكنه كان يتجنّب حتى النظر إليها خوفاً من عديها بهذا المرض اللعين( السل )، لأنها بالفعل ليست فقط جميلة، بل أكثر بكثير من الجمال ، و خاصةًأنها على ما يبدو تملك قلباً في غاية الحنان و الرقي .. فكان يقول في نفسه: لا أدري لماذا هي تجلس بالمقابل مني و بالقرب مني .. لماذا لا تتوخى الحذر من أن تعدى بالمرض ..

بعد ثلاثة أيام من إقامته بالمشفى لم يشاهدها هذا اليوم، وكان اليوم يوم الخميس و امضاه بوحدته مرغماً عنه و خاصةً أنه سرّ كثيراً بالزيارات التي قام بها زملاؤه الطلبة و الطالبات للأطمئنان عليه. فأمضى ليلته قلقاً ، كان ينظر للكرسي فقد يراها بأي لحظة جالسة تقصّ عليه حكاية شيقة مختصرة أو نكتة، كما تعاملت معه في تلك الايام الثلاثة الماضية ،و لكنه استسلم للنوم من دون جدوى .

و في اليوم التالي و بعد الظهر تماماً، دخلت هي و معها إحدى زميلاتها بذاك الوجه الملائكي وبعد السلام اعتذرت فوراً عن مغادرتها المشفى و زيارة أهلها من دون وداعه و لن يتكرر ذلك أبداً، و من ثم أخرجت من بعض الأكياس المحملة بيديها بعض المأكولات و وضعتها على طاولته و قالت له :حبيت اجلب لك من الغداء الذي أعدته لي أمي خصوصاً في اجازتي .

و كانت رفيقتها تشاهدها كيف تضع الطعام بكلّ رأفة و حنان و من ثم غادرت الغرفة، و بقيت رفيقتها تنظر إليه و من ثم ابتسمت و قالت هالة تحبك !!

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “348”