جيندار بركات
لم يعد السؤال اليوم عن وجود الكُرد في المشهد السياسي السوري بقدر ما أصبح السؤال عن طبيعة هذا الوجود، وما إذا كان سيبقى محصوراً في حدود التمثيل السياسي، أم سيتحوّل إلى شراكةٍ حقيقيّة في بناء مستقبل البلاد.
خلال السنوات الماضية، استطاع الكُرد أن يحافظوا على حضورهم السياسي ،رغم الظروف الصعبة والتعقيدات التي أحاطت بالقضيّة الكُرديّة، وكان لهم حضور في كثير من المحطات والحوارات المتعلقة بمستقبل سوريا، لكن الحضور وحده لا يكفي، كما أنّ المشاركة في بعض المؤسسات أو الاجتماعات لا تعني بالضرورة الوصول إلى شراكة سياسيّة حقيقيّة.
فالشراكة تعني شيئاً أكبر من مجرد وجود أسماء كُرديّة في المؤسسات، تعني أن تكون هناك قناعة بأنّ الكُرد جزء أساسي من سوريا، وأنّ حقوقهم ليست ملفاً مؤجلاً يمكن التعامل معه حسب الظروف السياسيّة، بل قضيّة وطنيّة تحتاج إلى معالجة واضحة ضمن إطار الدولة السوريّة.
وهنا تبدأ مسؤوليّة القوى السياسيّة الكُرديّة نفسها، فالمرحلة الحاليّة تختلف عن المراحل السابقة، وما كان يصلح في السابق ربما لم يعد كافياً اليوم، ولم يعد المطلوب فقط الحفاظ على المواقف والمطالب المعروفة، وإنما القدرة على تقديم رؤية سياسيّة واضحة لما يريده الكُرد من سوريا المستقبل، وكيف يمكن تحقيق ذلك ضمن تفاهم وطني واسع.
الكُرد بحاجة إلى الانتقال من سياسة انتظار ما ستقرره الأطراف الأخرى إلى سياسة المشاركة الفعليّة في صناعة القرار، وهذا لا يعني التخلي عن الحقوق أو تخفيف سقف المطالب، بل يعني امتلاك القدرة على تحويل هذه المطالب إلى مشروع سياسي قابل للنقاش والتفاهم.
وفي المقابل، فإنّ على دمشق أن تنظر إلى المسألة الكُرديّة من زاوية مختلفة أيضاً، فالتعامل مع الكُرد باعتبارهم مكوناً يجب احتواء مطالبه لن يؤدّي إلى بناء الثقة، أما الاعتراف بهم كشريك وطني له حقوقه وخصوصيته، فيمكن أن يشكّل بداية لعلاقة جديدة تقوم على المصالح المشتركة وليس على الشكوك المتبادلة.
إنّ سوريا الجديدة تحتاج إلى شراكة حقيقيّة بين مكوناتها، لأنّ البلاد لم تعد تحتمل العودة إلى الطريقة القديمة في إدارة الاختلافات، حيث يحاول طرف فرض رؤيته على الآخرين، فالاستقرار لا يَبنى بإقصاء طرف أو تجاهل مطالبه، وإنما بإيجاد صيغة يشعر فيها الجميع بأنّهم جزء من الدولة ومستقبلها.
لكنّ الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج أيضاً إلى مراجعة داخليّة كُرديّة، فاختلاف الأحزاب والقوى السياسيّة أمر طبيعي، ولا يمكن أن يكون المطلوب إلغاء التعدد السياسي، حيث المشكلة تبدأ عندما يتحوّل هذا الاختلاف إلى حالة تعطل القدرة على اتخاذ موقف مشترك تجاه القضايا الأساسيّة.
المطلوب اليوم ليس أن تتفق كلّ القوى الكُرديّة على كلّ شيء، فهذا أمر غير واقعي، وإنما أن تتفق على الحد الأدنى الذي لا يمكن التنازل عنه، وأن يكون لديها موقف واضح من شكل الدولة، والحقوق الثقافيّة والسياسيّة، واللامركزيّة، ومستقبل المناطق ذات الغالبيّة الكُرديّة، والعلاقة مع باقي المكونات السوريّة.
فالمرحلة المقبلة لن تنتظر طويلاً، ومن لا يكون حاضراً في صياغة الحلول قد يجد نفسه مضطراً للتعامل مع حلول يضعها الآخرون.
لقد قطع الكُرد مسافة طويلة من أجل الوصول إلى الاعتراف بوجودهم السياسي والثقافي، لكنّ التحدي الحقيقي الآن هو تحويل هذا الوجود إلى شراكة، والفرق بين الاثنين كبير.
إنّ التمثيل يعني أن تكون موجوداً، أما الشراكة فتعني أن يكون لك دور في صناعة القرار.
ولهذا فإنّ المطلوب من الكُرد اليوم ليس فقط أن يحافظوا على حضورهم، بل أن يطوّروا أدواتهم السياسيّة، ويوحّدوا أولوياتهم، ويقدّموا أنفسهم كشريكٍ قادر على المساهمة في بناء سوريا التي تتسع لجميع أبنائها.
وفي النهاية، فإنّ نجاح الكُرد في المرحلة المقبلة لن يُقاس بعدد المقاعد أو المواقع التي يحصلون عليها، وإنما بقدرتهم على أن يكونوا جزءاً من صناعة القرار، وأن تتحوّل قضيتهم من ملف يُناقش عند الحاجة، إلى جزء طبيعي من مشروع بناء الدولة السوريّة.
فالهدف ليس أن يكون الكُرد ممثلين في سوريا الجديدة فقط، بل أن يكونوا شركاء في صناعتها.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “348”

