محمد جمعان

الفيدرالية نظام دستوري معمول به في دول عديدة لإدارة المجتمعات المتعددة القوميات والثقافات. ويمكن أن تكون في سوريا إحدى الصيغ المطروحة لمعالجة القضية الكُردية، عبر منح المناطق ذات الغالبية الكُردية الصلاحيات لإدارة شؤونها ضمن دولة سورية اتحادية ديمقراطية، مع الحفاظ على وحدة البلاد.

لكنّ تطبيقها يواجه معوقات عدة، أبرزها استمرار التصورات القومية المركزية والموروثات السياسية المرتبطة بحكم حزب البعث، التي تنظر أحياناً إلى الاعتراف بالخصوصية القومية والثقافية للكُرد باعتباره تهديداً لوحدة سوريا، بدلاً من اعتباره وسيلة لتعزيزها على أساس الشراكة والمساواة.

وقد تبنّت الدولة السورية سياسات تمييزية، منها إحصاء الحسكة عام 1962، وتجريد عشرات الآلاف من الجنسية، ومشروع «الحزام العربي»، وسياسات التعريب والقيود على اللغة والثقافة الكُرديتين. وتوضّح هذه التجارب أنّ إنكار التنوع القومي لا يحمي وحدة الدولة بالضرورة، بل قد يعمّق التهميش وعدم المساواة.

كما تطرح بعض التيارات العروبية تصوراً لسوريا بوصفها دولة عربية، مع تثبيت هويتها العربية باعتبارها هوية الدولة والمجتمع.

ولا تكمن الإشكالية في اعتزاز العرب بعروبتهم، بل في تطبيق معايير مختلفة على الهويات القومية؛ إذ قد يُقبل الانتماء العربي، بينما يُنظر إلى اعتزاز الكُردي بقوميته وارتباطه التاريخي والثقافي بأجزاء كُردستان الأخرى باعتباره تهديداً لوحدة الدولة. لذلك تقتضي المواطنة المتساوية الاعتراف بالهويات القومية والثقافية لجميع السوريين، لا فرض هوية واحدة عليهم.

ويقدّم الدستور العراقي لعام 2005 مثالاً على إمكان الجمع بين الاعتراف بالتعدد ووحدة الدولة؛ فقد أقرّ بتعدد القوميات والأديان والمذاهب، واعترف بالعربية والكُردية لغتين رسميتين، ومنح إقليم كُردستان وضعاً اتحادياً وسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية ضمن الدولة العراقية.

ورغم مشكلات التجربة المتعلقة بتوزيع الصلاحيات والثروات، فإنها تبيّن أنّ الفيدرالية لا تؤدّي إلى تفكك الدولة.

وتشكّل النزعات الدينية والقومية المتشددة عائقاً إضافياً أمام بناء دولة تعددية. فالفيدرالية لا تعني بالضرورة تقسيم المجتمع، بل تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم دستورياً، بما يضمن مشاركة المكونات وإدارتها لشؤونها ضمن الدولة.

أما العامل الخارجي الأبرز فهو الموقف التركي. فعلى الرغم من علاقات أنقرة السياسية والاقتصادية مع إقليم كُردستان العراق، تتحفّظ على قيام كيان كُردي ذي صلاحيات دستورية واسعة في سوريا.

وقد ربطت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا بحزب العمال الكُردستاني، واعتبرت أي بنية سياسية كُردية مسلحة أو ذاتية الإدارة قرب حدودها الجنوبية مسألة أمن قومي. وانعكس ذلك في عمليات «درع الفرات» عام2017، و«غصن الزيتون» عام 2018، و«نبع السلام» عام 2019.

ويشير هذا الموقف إلى أنّ الاعتراض التركي لا يتعلّق بالفيدرالية وحدها، بل أيضاً بالجهة التي تدير المنطقة وبالترتيبات الأمنية والعسكرية المرتبطة بها. فتعامل تركيا مع إقليم كُردستان العراق يختلف عن موقفها من النموذج الكُردي في سوريا، ما يدلّ على تأثر سياساتها بالحسابات الأمنية والسياسية وبطبيعة القوى المعنية.

في النهاية وباختصار شديد ، ترتبط معوقات الفيدرالية في سوريا بالإرث المركزي، والتصورات المتباينة حول الهوية الوطنية، والمخاوف من الانفصال أو التهديدات الأمنية، إضافةً إلى المواقف الإقليمية.

ويرى مؤيدوها أنها قد توفّر إطاراً دستورياً للاعتراف بالتعدد القومي والثقافي، وتعزيز المساواة، وتوزيع الصلاحيات والثروات، مع الحفاظ على وحدة الدولة.

لذلك ينبغي أن يستند أي نقاش حولها إلى دستورٍ واضح، وضماناتٍ للمواطنة المتساوية، وترتيباتٍ أمنية وسياسية تمنع استخدام الأقاليم ضد بعضها أو ضد دول الجوار.

ومن هذا المنظور، قد تكون الفيدرالية، ضمن سوريا موحدة اتحادية ديمقراطية وبشروط مناسبة، إحدى الوسائل الممكنة لمعالجة القضية الكُردية وحماية وحدة البلاد.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “348”