أكرم شمو
ما جرى في محافظة الحسكة لم يكن حادثاً أمنياً عابراً، بل إنذاراً مبكراً بأنّ سوريا تقف أمام خيارين لا ثالث لهما: دولة تحكمها مؤسساتها وقوانينها، أو فراغ تتحكّم فيه الميليشيات والثأر. ومشهد اختطاف المقاتل سامي شيخموس حسو، المعروف بـ“سيبان حزني” ليس استثناءً، بل حلقة في سلسلةٍ تهدّد ما تبقّى من وحدة سوريا.
في العاشر من أيلول الجاري، اختطفت مجموعة مسلحة خارجة عن القانون المقاتل “سيبان حزني”، وهو أحد مقاتلي “لواء الحسكة” المنضوي رسمياً في وزارة الدفاع السورية، بعد أن استدرجته مكالمة هاتفية من مجهول. ولم يكتفِ الجناة بقتله بوحشية، بل مثّلوا بجثته ونشروا مشاهدها على منصات التواصل الاجتماعي، في تحدٍّ سافر لسلطة الدولة التي أُعلن عن استكمال دمج مؤسساتها في المحافظة.
وتتساءل شقيقة الضحية، بمرارة مشروعة: “ألم يُعلنوا استكمال الاندماج وبسط سلطة الدولة والقانون؟… إذا كانوا يأتون هكذا ويقتادونه من المنزل، فأين سلطة الدولة؟”. هذا السؤال ليس سؤال عائلة فحسب، بل سؤال كل مواطن راهن على مشروع الدولة كبديل عن منطق الميليشيات والقوانين الخاصة. فالجريمة لا تستهدف فرداً، بل تستهدف فكرة الدولة ذاتها.
ولم تتوقّف التداعيات عند حدود الحسكة.في كوباني،خرجت احتجاجات غاضبة، أعقبتها أعمال عنف وحريق في أحد السجون أودى بحياة عدد من السجناء. مشهد يؤكّد أنّ التسامح مع الجريمة، أو التأخر في معالجتها، لا يطفئ الغضب بل يؤججه.
وهكذا تحولت جريمة فردية إلى أزمة سياسية وأمنية تهدّد ما تبقّى من مسار الدمج والانتقال السياسي في سوريا كلها.
والأخطر من الجريمة نفسها هو طريقة التعامل معها. موقف رسمي خجول، وتردد في الحسم، وفراغ أمني وقانوني يدفع الناس إلى البحث عن عدالة بديلة: عشائرية، أو فصائلية، أو انتقامية. وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي.
لقد مرّت سوريا بمرحلة طويلة من غياب تطبيق القانون، والفلتان الأمني، وحكم جماعات مسلحة محلية، لكل منها قانونها وسلطتها وسجونها. هذا الواقع لم يكن استثناءً، بل صار قاعدة. لكن اليوم، ومع وجود حكومة عامة، لم يعد مسموحاً أن تبقى هذه القاعدة. فلا يجوز أن تُستوفى الحقوق عبر الأحكام العشائرية، ولا عبر العدالة الخاصة، ولا عبر أي مجموعة مسلحة تحت أي مسمى. فذلك لا يعالج الجريمة، بل يعيد إنتاج منطق الحرب الأهلية، ويعني ببساطة: دولة داخل الدولة، وقانون داخل القانون.
ولا يعني هذا الموقف أن كل الجرائم سواء في ملابساتها. فلكل جريمة ظروفها، ولكل طرف ادّعاءاته. لكن لا يحقّ لأي طرف، مهما كانت مظلوميته، أن يستوفي حقه بيده. القانون والقضاء هما الفيصل، لا الانتقام ولا الثأر ولا “العدالة” التي يوزّعها كل طرف على هواه.
وكشف ملابسات جريمة “سيبان” وكل الجرائم المشابهة، وإظهار الحقيقة كاملة أمام الرأي العام، هو الضمانة الوحيدة لمنع تحويل القضايا الفردية إلى صراعات جماعية.
وفي هذا السياق، لا يمكن استبعاد وجود جهات محلية أو إقليمية لها مصلحة في إضعاف الحكومة السورية، ومتضررة من السلم الأهلي والمصالحة، تجد في الفوضى مصلحتها. فاستمرار وجود مجموعات مسلحة تنفّذ إعدامات ميدانية وأحكاماً ثأرية خارج إطار القانون يمثّل أعظم تهديد للعملية السياسية. وسواء كانت هذه الجهات محلية تسعى إلى إبقاء نفوذها، أو إقليمية تريد إبقاء سوريا ضعيفة وممزقة، فإنها ستستمرّ في استثمار كل فراغ أمني. والمسؤولية الآن على عاتق الحكومة: إما أن تفرض سيادتها بقوة القانون، أو أن تتحمّل تبعات فشل مشروعها السياسي.
غير أن فرض سلطة الدولة لا يعني إنكار الحقوق القومية المشروعة للكُرد، بل ضمانها. فأي مشروع وطني حقيقي في سوريا يجب أن يقوم على الاعتراف بالتنوع القومي، وضمان حقوق الكُرد دستورياً في إطار دولة ديمقراطية لا مركزية. فرَبط مستقبل الكُرد بمشروع الدولة الواحدة ليس ترفاً، بل ضرورة، لأنّ البديل هو الفوضى التي لا تحمي أحداً.
إنّ الحكومة الحالية يجب أن تكون حاسمة، لا متفرّجة، وأن تكون صاحبة القرار، لا طرفاً بين أطراف. عليها أن تنهي حكم الجماعات المسلحة، وإمارات الحرب، وحكم الواقع، وفق ثلاثة مبادئ لا تقبل التجزئة: احتكار السلطة الشرعية، فلا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج الحكومة، ولا عقوبة خارج القضاء؛ والمساواة أمام القانون في الحقوق والواجبات، بلا تمييز على أساس الهوية أو المنطقة أو الانتماء؛ واحترام فصل السلطات، فالتشريع لمجلس النواب، والتنفيذ للحكومة، والقضاء للقضاة.
وعلى هذا الأساس، تصبح أولويات المرحلة واضحة. تحقيق شفاف ومستقل في جريمة “سيبان” وكل جرائم القتل والخطف والتمثيل بالجثث، تشرف عليه النيابة العامة ولجنة قضائية مستقلة، وتُعلن نتائجه أمام الرأي العام، مع سقف زمني لا يتجاوز أسابيع قليلة. ومحاسبة الجناة أفراداً وجماعات، بمن فيهم من حرّض أو سهّل أو نشر مشاهد التمثيل بالجثة. وتجريم خطاب الكراهية والتهديد بالقتل والذبح، واعتباره جريمة يعاقب عليها القانون، لا مجرد رأي.
وفي المستوى التنفيذي، لا بدّ من منع العدالة الخاصة والعشائرية، وتفعيل القضاء الرسمي، وضبط الأمن بيد الدولة، ونشر قوات الأمن الداخلي في الأحياء والبلدات. وحماية الضحايا وعائلاتهم، وتعويضهم، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وتسريع دمج القوى المحلية في المؤسسات المركزية، تحت قيادة مدنية وقانونية واحدة، وعدم ترك أي مقاتل أو مواطن في حالة “معلّق” بين إدارة محلولة ووزارة لم تبسط بعد سلطتها كاملة.
ولا يمكن لهذه المهمة أن تنجح بمعزلٍ عن الإرادة الدولية. فالمجتمع الدولي، بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، مدعو إلى دعم سيادة القانون في سوريا، ومساندة مؤسسات الدولة في بسط سيطرتها، ورفض أي دعم مباشر أو غير مباشر للمجموعات المسلحة الخارجة عن القانون. فغضّ الطرف عن الفوضى في سوريا ليس حياداً، بل تشجيع ضمني لمن يستثمر فيها.
إنّ عدم تطبيق القانون سيدخل البلاد في نفقٍ مظلم: انتقام، وثأرات، وفزعات. كل مجموعة ستحمي نفسها، وكل منطقة ستحكم نفسها، وكل عشيرة ستقاضي بنفسها. والنتيجة لن تكون عدالة، بل انقساماً، ولن تكون وحدة، بل تشرذماً. فالعملية السياسية لا تسقط بالاتفاقيات فقط، بل تسقط عندما يفقد المواطن ثقته بأنّ الدولة قادرة على حمايته وإنصافه.
إما دولة واحدة موحّدة، تعددية ولامركزية، يحكمها قانون واحد وقضاء واحد، وتُدار فيها المناطق بصلاحيات موسعة تعترف بالتنوع القومي والثقافي؛ أو دويلات متناثرة، وميليشيات متعددة، وقوانين متصارعة. لا خيار ثالث.
والتأخير ليس حياداً، بل قرار ومساهمة بتفكيك سوريا.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “348”

