جوان ولي
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، شهدت المناطق الكُردية في سوريا تحولات سياسية وعسكرية كبيرة. ومع انسحاب قوات النظام من أجزاء واسعة منها وتسليم إدارتها إلى حزب الاتحاد الديمقراطيpyd، برزت في المناطق الكُردية قوى مسلحة ارتبطت بصورة وثيقة بالمشروع السياسي والتنظيمي لحزب العمال الكُردستاني، ثم تطوّرت إلى وحدات حماية الشعب، قبل أن تتشكّل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عام 2015 بوصفها إطاراً عسكرياً أوسع و ضمّ عرب و كُرد و سريان….
وبفضل الحرب على تنظيم داعش والدعم الأمريكي، تحوّلت قسد خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أقوى القوى العسكرية في سوريا. ولم تقتصر سيطرتها على المناطق الكُردية، بل امتدّت إلى الرقة ودير الزور ومناطق واسعة من محافظة حلب. وبذلك، امتلكت قوة عسكرية وجغرافية واقتصادية، إلى جانب دعمٍ دولي وأوراقٍ سياسية لم تكن متاحة للكُرد من قبل.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في أنّ هذه القوة لم تنشأ نتيجة توافق أو دعم كُردي سوري، وإنما نشأت في سياق الحرب الدولية على داعش والدعم الأمريكي لقسد بوصفها شريكاً عسكرياً في هذه الحرب. وهذا يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى قدرة قسد أو رغبتها على تحويل القوة التي اكتسبتها من خلال الدعم الخارجي إلى مشروع سياسي كُردي سوري مستقل ومستدام.
وتبرز هنا مقارنة مهمة مع تجربة إقليم كُردستان العراق. فقد حافظت قوات البيشمركة على وجودها، بعد سقوط نظام صدام حسين، رغم الضغوط التي تعرّضت لها في مراحل مختلفة لإعادة تنظيمها أو حلها. ويُستشهد في هذا السياق بموقف الرئيس مسعود بارزاني عندما رفض المطالبة بحلّ البيشمركة من قبل بول بريمر، مؤكّداً أنّ نزع سلاحها لا يمكن أن يتمّ بقرارٍ من خارج الإقليم.
لكن السؤال الأهم يبقى:
ماذا حقّقت قسد سياسياً للشعب الكُردي؟
المشكلة ليست فقط في خسارة الأراضي، فالسيطرة العسكرية بطبيعتها قابلة للتغير مع تغير موازين القوى. أما المشكلة الأعمق، فهي إنّ قوة عسكرية بهذا الحجم، وبعد كل هذه السنوات والتضحيات، لم تتحول إلى ضمانات قومية وسياسية ودستورية تتناسب مع حجم القوة والفرصة التاريخية التي أتيحت لها.
قد يقول البعض إنّ الكُرد حقّقوا مكاسب في مجال اللغة والتعليم وبعض الجوانب الثقافية والإدارية، وإنّ هذه المكاسب تمثل تقدماً مقارنةً بما كان قائماً خلال عقود حكم بشار الأسد ووالده. لكن هذه المقارنة تتجاهل أنّ سوريا نفسها تغيّرت بصورة جذرية؛ فقد انهار النظام السابق، وتفكّكت بنية الدولة، وتدوّلت القضية السورية والكُردية، وأصبحت حقوق الكُرد موضع اهتمام دولي أكبر. كما أنّ إدارة الشرع بحاجة إلى تقديم بعض الامتيازات للكُرد لإرضاء المجتمع الدولي.
لذلك، لا يمكن بالضرورة اعتبار جميع هذه المكاسب نتيجة مباشرة لوجود قسد، بل يجب النظر إليها أيضاً في سياق التحولات السياسية والعسكرية والإقليمية والدولية التي شهدتها سوريا.
من السيطرة العسكرية إلى خسارة الأوراق السياسية
خلال عام 2026، خسرت قسد معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها خارج مناطق نفوذها الأساسية، بما فيها الرقة ودير الزور، ودخلت في مسار دمج قواتها ومؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، قبل الإعلان في أغسطس عن اكتمال عملية الاندماج وإنهاء وضعها قوةً عسكريةً مستقلة.
لكنّ تفاصيل هذا المسار لا تزال غير واضحة بما يكفي، ولا توجد معلومات علنية كاملة حول طبيعة التفاهمات التي جرت بين دمشق وقيادة قسد، وآليات الدمج، وما الذي حصل عليه حزب الاتحاد الديمقراطي في المقابل.
والأهم أنّ الحقوق القومية للشعب الكُردي لم تُثبَّت، حتى الآن، بصورة واضحة في الدستور السوري، و ليس هناك اشارات تدعو إلى التفاؤل. وهذا يثير سؤالاً جوهرياً حول حجم المكاسب السياسية التي خرج بها حزب الاتحاد الديمقراطي بعد سنواتٍ امتلكت خلالها قسد أوراق قوة عسكرية وجغرافية واقتصادية ودولية مهمة.
ومن هنا، يبرز سؤال حساس:
هل كانت السيطرة على المناطق الكُردية جزءاً من مشروع سياسي كُردي سوري واضح، أم أنها كانت بالأساس نتيجة ظرف عسكري دولي مرتبط بالحرب على داعش، فأصبحت قابلة للتراجع عندما تغيّرت الظروف؟
لا توجد أدلة كافية للقول إنّ التخلي عن هذه المناطق كان مخططاً منذ البداية. لكنّ النتيجة السياسية تفرض طرح هذا السؤال، خصوصاً أنّ السيطرة الواسعة لم تتحوّل إلى مشروع قومي كُردي سوري واضح لدى pyd، ولم تُترجم حتى الآن إلى ضمانات دستورية للحقوق الكُردية.
وهذا يعزّز، من وجهة نظر منتقدي قسد، الرأي القائل إنّ دورها كان مرتبطاً أساساً بوظيفة عسكرية فرضتها ظروف الحرب الدولية، أكثر من كونه مشروعاً لبناء قوة سياسية كُردية سورية مستقلة القرار.
كما أنّ الخطاب السياسي لقسد ظلّ غامضاً في مراحل مختلفة؛ فمن جهة، كانت قياداتها تنفي عنها صفة القوة الكُردية، ومن جهة أخرى، كانت تتحدّث عن الحقوق والقضية الكُردية. وهذا التناقض جعل من الصعب تحديد طبيعة المشروع السياسي الذي كانت قسد تسعى إلى بنائه بصورة واضحة.
بين النوايا والنتائج
أما بالنسبة إلى قيادة قسد، ممثلةً بمظلوم عبدي وإلهام أحمد، فمن الضروري التمييز بين النوايا والنتائج.
قد يرى البعض أنهما سعيا فعلاً إلى تحقيق الحقوق الكُردية واللامركزية والضمانات الدستورية. وفي المقابل، يرى منتقدون أنّ البنية السياسية والعسكرية التي نشأت في إطارها قسد، والارتباط التاريخي والتنظيمي مع منظومة حزب العمال الكُردستاني، حدّا من استقلال قرارهم ، وجعلا حسابات تتجاوز القضية الكُردية في سوريا تؤثّر في بعض القرارات المصيرية.
كما أنّ مسألة فكّ الارتباط بحزب العمال الكُردستاني كانت موضع نقاش وضغط دولي، بما في ذلك من الجانب الأمريكي، الذي شجّع قيادة قسد على اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه لكنّ السيد عبدي لم يستغل تلك الفرصة.
لكن حتى مع افتراض حسن النية لدى قيادة قسد، يبقى السؤال السياسي مشروعاً:
لماذا لم تتحوّل هذه النوايا إلى نتائج تتناسب مع القوة التي امتلكتها قسد؟
وإذا كان الارتباط بمشروع أوسع قد قيّد استقلالية القرار ، فلماذا لم يتمّ توضيح طبيعة هذا الارتباط وحدوده للشعب الكُردي؟ ولماذا لم يتمّ فكّ الارتباط بحزب العمال الكُردستاني؟ وإذا كانت القيادة تمتلك قرارها المستقل، فلماذا لم تستخدم هذه القوة بصورة أكبر لتثبيت المطالب القومية والدستورية؟
في الآونة الأخيرة، أصبح التركيز في خطاب قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي واضحاً على مسألة اللغة الكُردية وتدريسها في المناطق الكُردية.
ولا شك أنّ اللغة الكُردية مكوّن جوهري من الهوية القومية، كما أنّ ضمان التعليم باللغة الأم مطلب مشروع. لكن القضية الكُردية لا يمكن اختزالها في اللغة وحدها.
فاللغة جزء من منظومة حقوق أوسع، في مقدمتها الاعتراف الدستوري بالشعب الكُردي و منح كُردستان سوريا اللامركزية السياسية.
ومن هنا، فإنّ تحويل الخطاب السياسي إلى التركيز على اللغة وحدها يثير تساؤلات مشروعة، خصوصاً بعد تراجع أوراق القوة التي كانت تمتلكها قسد.
فالمطلوب ليس التقليل من أهمية اللغة، وإنما وضعها ضمن مشروع سياسي أشمل يجيب عن السؤال الأساسي:
ما الحقوق التي يريد الكُرد تثبيتها دستورياً وسياسياً في سوريا؟
الفرصة الضائعة
امتلكت قسد خلال سنوات نفوذها أوراقاً استثنائية: قوة عسكرية كبيرة، ومساحة جغرافية واسعة، وموارد اقتصادية، ودعماً دولياً مهماً.
وكان من الممكن أن تشكّل هذه الأوراق أساساً لمشروع سياسي كرُدي سوري واضح، يهدف إلى تثبيت الحقوق القومية والدستورية للشعب الكُردي ضمن إطار حل سياسي سوري شامل.
ولعلّ أكبر دليل على فشل استراتيجية قسد وغياب مشروع كُردي واضح لديها هو عدم امتلاكها خطة بديلة، واعتمادها الكبير على المكونات الأخرى في بنيتها، مقابل إهمال الحاضنة الكُردية، وهو ما سهّل انهيارها بهذه الصورة.
امتلاك القوة لا يعني بالضرورة امتلاك القرار السياسي المستقل، خصوصاً عندما تكون مصادر القوة مرتبطة إلى حد كبير بعوامل خارجية.
لذلك، فإنّ السؤال اليوم ليس فقط:
لماذا خسرت قسد الأرض؟
بل السؤال الأهم:
لماذا لم تتحوّل القوة والتضحيات والظروف السياسية الدولية إلى مكاسب قومية ودستورية ثابتة؟
وهل كان مشروع قسد، في جوهره، يتجه إلى بناء مشروع كُردي سوري واضح ومستقل القرار، أم أنه كان جزءاً من مشروع أوسع ، كانت أولوياته تتجاوز القضية الكُردية السورية وتتبنّى مصطلحات غير واقعية كالأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب؟
هذه الأسئلة ينبغي أن تواجهها الحاضنة الكُردية لقسد و حزب الاتحاد الديمقراطي بشجاعة، بعيداً عن التخوين وتقديس القيادات. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تخضع جميع القوى السياسية الكُردية، بما فيها المجلس الوطني الكُردي، للمساءلة والنقد على أساس النتائج، لا الشعارات.
فالشعب الكُردي لا يحتاج فقط إلى مَن يقاتل باسمه، بل يحتاج إلى مشروع سياسي واضح يحدّد: ماذا نريد؟ ومن يملك القرار؟ وما أولوياتنا؟ وما الذي تحقّق فعلاً؟
وفي النهاية، لا تكفي الشعارات ولا التضحيات ولا حسن النوايا وحدها. فالمعيار الحقيقي هو النتيجة:
هل تحوّلت القوة والتضحيات إلى حقوق ثابتة للشعب الكُردي، أم ضاعت القوة وبقيت القضية تنتظر فرصة جديدة؟
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “348”

