د. نورالدين خوشناو

لا تبدأ الحروب يوم ينطلق الرصاص، ولا تنتهي آثارها بمجرد توقّفه. فقبل أن تتحول

الخلافات إلى مواجهات، تتراكم مشاعر الخوف والإقصاء وانعدام الثقة، وتنتشر خطابات

تجعل المختلف تهديداً والتسوية ضعفاً. لذلك، يحتاج بناء السلام إلى عدالة تحمي

الإنسان، ومؤسسات تحترم حقوقه، وثقافة تساعده على إدارة الاختلاف دون اللجوء إلى

العنف.

من

هنا، تبرز ثقافة السلام بوصفها منهجاً استراتيجياً لبناء مجتمعات مرنة ومستدامة.

فالمرونة تعني قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات والتعافي منها، مع الحفاظ على

كرامة أفراده وتماسكه. أما الاستدامة، فتعني حماية فرص الأجيال المقبلة، وعدم

استنزاف الموارد والطاقات في صراعات متكررة.

السلام

الذي يستحق البناء هو سلام يشعر فيه الإنسان بأن له مكاناً وصوتاً ومستقبلاً. فقد

يسود الهدوء مجتمعاً، بينما تتعمق داخله مشاعر الظلم والتهميش. ولهذا، لا يجوز

استخدام الدعوة إلى السلام لإسكات المطالب المشروعة، أو مطالبة المتضررين بالتنازل

عن حقوقهم باسم الاستقرار.

إن

الاعتراف بالضحايا، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات

عبر قضاء مستقل ومحاكمات عادلة، تمنح المصالحة أساساً راسخاً. فالإفلات من العقاب

يضعف الثقة بالمؤسسات، وقد يشجع على تكرار التجاوزات. وحين يرى المواطن أن القانون

يحميه، يصبح اللجوء إليه طريقاً موثوقاً لاسترداد حقه، وتتراجع دوافع الانتقام.

وفي

المجتمعات المتعددة قومياً ودينياً ولغوياً، يبدأ التعايش من المواطنة المتساوية

والاعتراف بالهويات. فالانتماء الوطني يزداد رسوخاً عندما يشعر الفرد بأن دولته

تحترم لغته وثقافته وتتيح له المشاركة في صياغة مستقبلها. وتتسع الهوية الجامعة

للجميع حين يجد كل مكوّن نفسه شريكاً كامل الحقوق والمسؤوليات.

وتُبنى

هذه الثقة في تفاصيل الحياة اليومية: في المدرسة، ومكان العمل، ومؤسسات الخدمات،

وأمام القضاء. فكل معاملة عادلة تعزز الانتماء، وكل تمييز متكرر يترك شرخاً فيه.

لذلك، فإن جودة المؤسسات ونزاهتها جزء أساسي من بناء السلام.

ويؤدي

التعليم دوراً حاسماً في هذا المسار. فالتربية على السلام تبدأ حين يتعلم الطالب

أن يستمع قبل أن يحكم، وأن يتحقق من المعلومة، وأن يميز بين نقد الفكرة والإساءة

إلى صاحبها. وتشمل أيضاً تعليمه التعبير عن الغضب دون اعتداء، وحل الخلافات

بالحوار، واحترام حق الآخرين في الاختلاف.

وتحتاج

المجتمعات التي عاشت صراعات إلى تعليم يحترم الذاكرة ومعاناة الضحايا، ويمنع توريث

الكراهية للأجيال الجديدة. كما أن احترام اللغة الأم والتنوع الثقافي داخل المدرسة

يساعد الأطفال على الشعور بالأمان والانتماء، ويمنحهم أساساً للانفتاح على الآخرين.

وترتبط

ثقافة السلام بالتنمية أيضاً. فعندما تنغلق فرص العمل والمشاركة، وتُوزّع الموارد

على أساس المحاباة، تتآكل الثقة في المؤسسات وفي جدوى الوسائل السلمية. ولهذا،

تمثل الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية وفرص الشباب ومشاركة النساء عناصر مهمة

في بناء الاستقرار.

وتزداد

قيمة التنمية حين يشارك السكان في تحديد أولوياتهم، ويفهمون معايير توزيع الموارد،

ويستطيعون الاعتراض على القرارات ومراجعتها. عندها تصبح التنمية تجربة للشراكة

والمسؤولية، إلى جانب تحسين الظروف المعيشية.

أما

الإعلام، فتقع عليه مسؤولية التحقق من الأخبار، وتوفير السياق، وتجنب التعميمات

التي تحمّل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد. ففي أوقات التوتر، تستطيع الشائعة أو

الكلمة المحرّضة أن تعمّق الانقسام. لذلك، ينبغي مواجهة التحريض على العنف مع

حماية حرية التعبير والنقد والمطالبة بالحقوق.

وللقيادات

السياسية والدينية والثقافية مسؤولية خاصة في هذا المجال. ويظهر التزامها بالسلام

في استعدادها لرفض الكراهية الصادرة عن محيطها، وتهدئة المخاوف دون استغلالها،

والدفاع عن كرامة الإنسان أياً كان انتماؤه.

ولكي

تتحول هذه المبادئ إلى واقع، نحتاج إلى سياسات واضحة وموارد ومتابعة: تعليم يحترم

التنوع، وقضاء موثوق، وآليات فعالة للشكاوى، ومساحات للحوار المحلي، ومبادرات تجمع

المكونات حول مصالح مشتركة. ويجب قياس النجاح بما يتغير في حياة الناس: هل يشعرون

بالأمان؟ هل يحصلون على حقوقهم؟ وهل يثقون بأن مؤسساتهم تنصفهم؟

وفي

الشرق الأوسط، تكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة بعد ما عرفته مجتمعات المنطقة من حروب

ونزوح وانقسامات. ويتطلب المستقبل الأكثر استقراراً معالجة المظالم، وضمان الحقوق

القومية والدينية والثقافية، وتعزيز التعاون في المياه والبيئة والتعليم

والاقتصاد، بما يحقق منافع ملموسة للناس.

إن

ثقافة السلام مسؤولية يومية تتجسد في طريقة الحكم والتربية والعمل والتواصل. وتظهر

قوتها حين يستطيع المجتمع تصحيح أخطائه دون إقصاء أبنائه، ومواجهة أزماته دون

تفكيك روابطه. فحين تصان الكرامة، وتتحقق العدالة، وتتسع المشاركة، يصبح السلام

أساساً لحياة آمنة ومستقبل يستحق أن نحميه معاً.