برزان علي

من حق الشعب الكردي أن يعرف بوضوح ما الذي يطرحه المجلس الوطني الكردي باسمه، وما موقفه من مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية، وما مطالبه من دمشق. هذا السؤال لا يستهدف النيل من المجلس أو التقليل من جهود أعضائه، بل ينطلق من ضرورة مساءلة مؤسسة سياسية تتصدّى للدفاع عن قضية شعب في مرحلة تتطلب رؤية معلنة وموقفاً مفهوماً.

لا أرى أن التصريحات المتفرقة والعبارات العامة تكفي لتوضيح هذه الرؤية. والمطلوب أن يستطيع المواطن التمييز بين رأي مسؤول بعينه وبين السياسة المعتمدة للمجلس، وأن يعرف كيف تتحول هذه السياسة إلى مطالب وخطوات يمكن متابعتها وتقييمها.

الدمج والحقوق السياسية

السؤال عن الدمج لا ينبغي اختزاله في تأييد مطلق أو رفض مطلق. المطلوب من قيادة المجلس أن توضح أي ترتيبات تؤيد، وأيها تعارض، وما الشروط والضمانات التي تراها ضرورية. هل يكفي انتقال القوات والمؤسسات إلى سلطة الدولة، أم ينبغي أن يقترن ذلك باتفاق سياسي ودستوري يضمن الحقوق ويحدد الصلاحيات ويحمي السكان؟

فالترتيبات العسكرية والإدارية، مهما كانت أهميتها، لا تحسم وحدها قضية الاعتراف بالشعب الكردي وحقوقه. كما أن حصول أي شخصية كردية على منصب في الدولة لا يشكّل بحد ذاته ضمانة لهذه الحقوق. معيار النجاح هو ما يثبت في الدستور والقوانين ويُنفّذ في حياة الناس، بما يشمل المشاركة الفعلية في القرار وحماية اللغة والهوية.

ومن الضروري أيضاً التمييز بين قوات سوريا الديمقراطية بوصفها قوة عسكرية، وحزب الاتحاد الديمقراطي بوصفه حزباً سياسياً، ومؤسسات الإدارة الذاتية. فهذه جهات مختلفة، ولا يصح جمعها في تعبير واحد يوحي بأن مستقبلها السياسي والقانوني يُحسم بالإجراء نفسه.

وضوح الخطاب ومطلب الفيدرالية

لا تكمن المشكلة في استخدام تعبير «المكوّن الكردي» وحده؛ فهذه العبارة لا تعني بالضرورة إنكار وجود شعب كردي. لكن استخدامها من دون توضيح الحقوق القومية والمطالب الدستورية قد يترك انطباعاً بأن القضية تُختزل في تمثيل بعض الأفراد داخل مؤسسات الدولة. ولهذا تقع على ممثلي المجلس مسؤولية شرح المقصود، بلغة لا تترك حقوق الشعب الكردي عرضة للتأويل.

وهنا يبرز السؤال عن الفيدرالية، أي النظام الاتحادي القائم على توزيع دستوري للسلطات بين المركز والأقاليم ضمن الدولة الواحدة: ما موقع هذا الخيار في رؤية المجلس ومطالبه الحالية؟ هل يدافع عنه في حواره مع دمشق والقوى السورية؟ وإذا كان يطرح صيغة أخرى، فما مضمونها، وكيف تضمن الحقوق والمشاركة والصلاحيات؟

أرى أن الدفاع عن سوريا اتحادية ديمقراطية يحتاج إلى مشروع واضح يشرح صلاحيات المؤسسات وضمانات حقوق جميع السكان. فطرح الفيدرالية بوصفها خياراً سياسياً ودستورياً يتطلب الإقناع والحوار، ولا يكفي إبقاؤها شعاراً عاماً أو ترك موقعها في المفاوضات غامضاً.

ماذا يطلب المجلس من دمشق

هل قدم المجلس مذكرة مكتوبة تتضمن مطالبه؟ وما مضمونها الأساسي، وإلى أي جهات قُدمت، وما الردود التي تلقاها؟ وإذا كانت هناك اتصالات أو تفاهمات، فما الذي يمكن إعلانه للرأي العام بشأن أهدافها ونتائجها؟

المطلوب توضيح موقف المجلس من الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي، وضمان حقوقه اللغوية والثقافية والتعليمية، والمشاركة في السلطة، وشكل الإدارة وصلاحياتها، وعودة المهجّرين وحماية ممتلكاتهم ومعالجة آثار الانتهاكات. كما ينبغي بيان الخطوات المقترحة لتحقيق هذه المطالب، حتى يعرف المواطن كيف ستتحول من عناوين إلى التزامات قابلة للتنفيذ.

قد تقتضي المفاوضات الحفاظ على سرية بعض التفاصيل، لكن ذلك لا يبرر حجب الأهداف الأساسية. فمن حق الناس أن يعرفوا ما يُطلب باسمهم، وما جرى التوصل إليه، وما بقي موضع خلاف.

معيشة الناس وحقهم في الاحتجاج

وفي الملف المعيشي، لا يكتمل الموقف السياسي بمجرد انتقاد ارتفاع الأسعار. المطلوب إعلان مطالب عملية لحماية الأسر من أعباء الغذاء والمحروقات، ومتابعتها مع الجهات المسؤولة، وإطلاع الجمهور على نتائج هذه المتابعة.

كذلك يحتاج الناس إلى موقف صريح يؤكد حقهم في التعبير والتظاهر السلمي، ويرفض الاعتداء على المتظاهرين أو تخوينهم بسبب مطالبهم المعيشية. ومن واجب المجلس أن يوضح كيف يدافع عن هذا الحق، وكيف يتواصل مع المتضررين ويعبّر عن مطالبهم. فالدفاع عن الحقوق القومية يكتسب مصداقيته أيضاً من الاهتمام بكرامة المواطن وحياته اليومية.

الثقة تحتاج إلى سياسة معلنة

قد تختلف أحزاب المجلس في تقدير المرحلة وسبل التعامل معها، وهذا أمر يمكن تفهّمه. لكن مسؤوليتها المشتركة تقتضي تحويل النقاش الداخلي إلى سياسة معلنة، مع توضيح نقاط الاتفاق والمسائل التي لم تُحسم بعد. فالجمهور لا ينبغي أن يُترك ليستنتج موقف المؤسسة من تصريحات متباينة.

لهذا أدعو قيادة المجلس الوطني الكردي إلى إعلان وثيقة سياسية موجزة ومفهومة تحدد موقفها من الدمج وضماناته، ومطالبها من دمشق، وخطواتها للدفاع عن معيشة الناس وحقهم في الاحتجاج السلمي، على أن تتبعها إحاطات دورية تشرح ما تحقق وما تعثّر وأسباب ذلك.

إن النقد هنا دعوة إلى تحمّل المسؤولية وتجديد الثقة. ومن يطلب تأييد الناس عليه أن يمنحهم ما يمكّنهم من الحكم على أدائه. أما بقاء الموقف غامضاً فيضعف الثقة ويفتح المجال للشائعات. الشعب الكردي يستحق إجابات واضحة، وقياداته مطالبة بتقديمها قبل أن تتسع المسافة بينها وبين من تتحدث باسمهم.