كولي عمر
لنستوقف أنفسنا لحظة.
لحظة بعيداً عن الخطابات الرنانة والشعارات الجوفاء. لحظة نعيد فيها قراءة المشهد السياسي والاجتماعي بعين العقل لا بعين العاطفة، لعلنا ندرك حجم الكارثة التي نعيشها.
اليوم نحن لا نعيش أزمة عابرة، نحن نعيش “عالم الصراعات” بامتياز.
صراع وجودي، وصراع قيمي، وصراع سياسي، لم نعد نعرف مع من نحارب ولا على ماذا نحارب.
هل نحارب التفاهات التي صدرتها لنا المنصات، فصار التافه نائباً محتملاً وصانع الرأي “مؤثراً” بلا فكر؟
أم نحارب الغباء السياسي المتفشي رغم كل المؤسسات والمراكز البحثية؟ قرارات تُتخذ بعيداً عن الواقع، وخطط تُكتب في المكاتب ولا تمت للأرض بصلة.
أم نحارب الغلاء الذي تحول إلى سلاح سياسي بيد القوى المتنفذة؟ سياسات اقتصادية فاشلة، واحتكار، وفساد، جعلت من لقمة العيش قيداً يأسر الشعوب ويكسر كرامتها.
أم نحارب انهيار منظومة القيم تحت غطاء “التحضر” و”التقدم التكنولوجي”؟ حين تصبح الرذيلة حرية، والربا استثمار، وأكل السحت شطارة، وتُباع المبادئ في سوق النفاق السياسي.
لم تمر أمتنا بحقبة أتعس وأرذل وأسخف من هذه السنوات.
سنوات انقلبت فيها جميع الموازين.
حتى أصبح *الدين والأخلاق والشرف والكرامة والعدالة وسيادة القانون عملة نادرة في الخطاب السياسي.
صار الصادق ساذجاً والشريف خطراً وصاحب الموقف مشاكساً كل ما حولنا أصبح مرعباً. قرارات تفرض علينا وحدود تُرسم دوننا ومصير أمة يُكتب في غرف مغلقة
وكأننا نعيد سيناريو الأمم التي غضب الله عليها فاستبدلها بقوم آخرين
حين ضيعوا العدل واشتروا الدنيا بالدين
ولكن
انهيار الأوطان لا يبدأ بالدبابات يبدأ حين ينهار الضمير الجمعي
والإصلاح السياسي لا يبدأ من الخارج يبدأ حين نستعيد نحن وعينا
حين نرفض أن نكون قطيعا يساق حين نحاسب ونسأل ونختارولا نبيع صوتنا وكرامتنا برغيف
نعم الواقع قاتم ونعم التحديات مصيرية.
ولكن الشعوب التي لها ذاكرة لا تموت والشعوب التي تؤمن بعدالة قضيتها تنهض حتى من تحت الركام
نحمد الله على كل حال
ونسأله أن يصلح حال هذه الأمة لأن الخلاص لن يأتي من وعود بل من إرادة
إرادة شعب قرر أن يستعيد دولته وقيمه وقراره
فالليل مهما طال لابد أن ينجلي
والتاريخ لا يرحم.يسجل من وقف ومن صمت ومن باع ومن صان العهد
