Yekiti Media

تحتضن مدينة ناشفيل في ولاية تينيسي الأمريكية حياً فريداً يُعرف باسم “كردستان الصغيرة” (Little Kurdistan).

هذا الحي لا يمثل مجرد تجمع سكني للمغتربين، بل هو القلب الثقافي والاجتماعي النابض لأكبر جالية كُردية في الولايات المتحدة الأمريكية، وشاهد حي على صمود الهوية الكّردية وتمسك أبنائها بجذورهم في بلاد المهجر.

رحلة الخمسين عاماً: من قوافل اللجوء إلى التمكين 

بدأت حكاية هذا الحي التاريخي قبل نحو 50 عاماً، وتحديداً في عام 1976، عندما وصلت أول قافلة من اللاجئين الكرد عقب انتكاسة الثورة التحريرية الكردية في كُردستان العراق .

ولم تكن تلك المجموعة تتجاوز 50 شخصاً يبحثون عن الأمان والاستقرار.

توالت بعدها موجات الهجرة خلال العقود التالية؛ لاسيما في تسعينيات القرن الماضي إثر الهجمات القمعية لنظام البعث البائد في جنوب كُردستان، وصولاً إلى موجات اللجوء الأخيرة بعد عام 2011 من كُردستان (سوريا) .

اليوم، يتجاوز عدد أفراد الجالية الكُردية في ناشفيل 20 ألف نسمة، يمثلون أجزاء كُردستان الأربعة، ليتمازجوا في نسيج واحد يحافظ على اسم وروح كُرد الحبيبة.

جغرافيا الهوية: عبق الشرق في قلب تينيسي.يتمركز حي “كُردستان الصغيرة” في الطرف الجنوبي من مدينة ناشفيل، وتحديداً على طول طريق “نولينزفيل بايك” (Nolensville Pike).

للوهلة الأولى، يشعر الزائر للحي أنه انتقل إلى إحدى أسواق قامشلو، أربيل، ديار بكر، أو مهاباد، حيث تصطف على جانبي الشارع المخابز الكُردية التقليدية التي تفوح منها رائحة خبز “اللوش” الطازج، والمطاعم الشهيرة بتقديم الكباب الكُردي، إلى جانب محلات بيع الملابس القومية التراثية، والأسواق التي تحمل أسماءً كُردية بامتياز مثل “سوبرماركت نوروز” و”سوق آزادي”.

معالم بارزة: أول مسجد كُردي في أمريكا الشمالية 

يُعد “مركز صلاح الدين الإسلامي” الذي تأسس عام 1998 الصرح الأبرز في الحي، لكونه أول مسجد كُردي يُبنى في قارة أمريكا الشمالية.

ولا يقتصر دور هذا المركز على الشعائر الدينية، بل يعمل كمؤسسة ثقافية واجتماعية متكاملة تُعنى بتدريس اللغتين الكُردية (الـ كورمانجية والـ صورانية) للأجيال الناشئة، لربط أطفال المهجر بهويتهم القومية وتاريخ أجدادهم.

اعتراف رسمي وتوأمة مع أربيل

فرضت الجالية الكُردية احترامها ووجودها الفاعل في المشهد السياسي والاقتصادي الأمريكي؛ مما دفع حكومة بلدية ناشفيل إلى اتخاذ خطوات تاريخية لتكريمها.

ومن أبرزها، التوأمة التاريخية: توقيع اتفاقية توأمة رسمية بين مدينة ناشفيل وعاصمة إقليم كُردستان هولير “أربيل” لتصبحا “مدينتين شقيقتين” (Sister Cities) لتعزيز التبادل الثقافي والتجاري.

نصب تذكاري رسمي: قيام البلدية بإعطاء الحي صفة تاريخية ووضع لوحة ونصب تذكاري رسمي في تقاطعاته تقديراً لإسهامات الكُرد في بناء وتطوير المدينة.

أيام نوروز المجيدة: إعلان رئيس بلدية ناشفيل شهرياً لـ “أسبوع التراث الكُردي” تزامناً مع أعياد نوروز القومية، حيث تُرفع الأعلام الكُردية وتُقام الحلقات الراقصة (الدبكات) في الساحات العامة بمشاركة رسمية أمريكية.

يبرز حي “كُردستان الصغيرة” اليوم كنموذج ملهم يُثبت أن الشعب الكُردي، أينما حلّ وارتحل، يظل سفيراً لقضيته العادلة، قادراً على الاندماج والتميز في المجتمعات الغربية مع صون لغته وثقافته وثوابته القومية