برزان علي
منذ أكثر من قرن، تتغير خرائط الشرق الأوسط وتتبدل التحالفات، بينما بقي الشعب الكردي موزعاً بين تركيا وإيران والعراق وسوريا، محروماً من حقه في تقرير مصيره، ومعرضاً لسياسات الإنكار والصهر والتهجير. وقد أثبت التاريخ أن الدول الكبرى لا تتحرك بدافع الصداقة أو العداوة الدائمة، بل وفق مصالحها وموازين القوى في كل مرحلة.
لذلك، لا يجوز للكرد أن يرفضوا التعامل مع القوى الدولية، ولا أن يسلّموا مصيرهم لها. المطلوب هو سياسة كردية واقعية تستفيد من التناقضات الدولية، من دون أن تتحول القضية الكردية إلى ورقة ضغط تُستخدم ضد دولة ثم يُتخلى عنها عند انتهاء الحاجة إليها.
أولاً: وحدة القضية مع احترام خصوصية كل جزءالقضية الكردية واحدة من حيث الشعب والهوية والحقوق التاريخية، لكنها تختلف سياسياً وقانونياً من جزء إلى آخر. فما يناسب كردستان العراق لا يمكن نقله حرفياً إلى كردستان سوريا أو تركيا أو إيران.
في العراق، يجب حماية النظام الاتحادي وإقليم كردستان وتطوير مؤسساته ومعالجة الانقسام الداخلي والفساد والتبعية الحزبية. وفي سوريا، ينبغي التمسك بالاعتراف الدستوري بالشعب الكردي وبنظام اتحادي ديمقراطي يضمن الحقوق السياسية والإدارية والثقافية، وعدم اختزال القضية في تدريس اللغة أو بعض المناصب. وفي تركيا وإيران، يتطلب النضال الجمع بين العمل الديمقراطي وحق الشعب الكردي في هويته وتمثيله وإدارة مناطقه، بعيداً عن إنكار وجوده القومي.
وحدة القضية لا تعني أن تقرر قيادة جزء بالنيابة عن بقية الأجزاء، بل تعني التضامن والتنسيق ووضع رؤية كردستانية مشتركة تحترم ظروف كل ساحة.
ثانياً: لا صداقة دائمة ولا حماية مجانيةقد تدعم دولة كبرى الكرد اليوم لأنها تحتاج إليهم في مواجهة الإرهاب أو لاحتواء دولة إقليمية، ثم تغيّر موقفها غداً إذا عقدت صفقة مع تركيا أو إيران أو إحدى الحكومات المركزية. لهذا يجب ألا تُبنى الاستراتيجية الكردية على الوعود الشفوية أو العلاقات الشخصية مع المسؤولين الدوليين.
كل تحالف يجب أن يقابله مكسب سياسي واضح: اعتراف دستوري، وضمانات دولية، ومؤسسات شرعية، وحماية للسكان، وتنمية اقتصادية. فالقوة العسكرية من دون مشروع سياسي تتحول إلى أداة بيد الآخرين، والسياسة من دون تنظيم شعبي وقوة مجتمعية تبقى مجرد خطابات.
ولا ينبغي للكرد أن يربطوا مصيرهم نهائياً بأمريكا أو روسيا أو أوروبا، ولا بإيران أو تركيا أو أي محور إقليمي. المطلوب تعدد العلاقات مع الحفاظ على استقلال القرار الكردي.
ثالثاً: البيت الكردي هو خط الدفاع الأولليست المشكلة الكردية في قوة خصومها فقط، بل أيضاً في الانقسام الحزبي وتقديس الزعماء وتقديم المصلحة التنظيمية على المصلحة القومية. لقد دفعت القضية ثمناً كبيراً للاقتتال الداخلي، ولتحول بعض الأحزاب إلى أدوات في صراعات الدول التي تنكر حقوق الكرد.
قبل مطالبة العالم بالاعتراف بنا، علينا بناء الثقة بيننا: حوار كردي شامل، ومرجعية سياسية مشتركة، واحترام الاختلاف، وتداول القيادة، وشفافية مالية، ومؤسسات تخضع للمحاسبة. ولا يحق لحزب واحد، مهما كانت قوته العسكرية أو جماهيريته، أن يحتكر تمثيل الشعب الكردي.
كما لا يجوز نقل صراعات أجزاء كردستان إلى بعضها. يجب أن تصبح الحدود المفروضة سبباً للتعاون والتكامل، لا ساحة للاقتتال الكردي–الكردي.
رابعاً: شراكة مع شعوب المنطقة لا عداوة معهامعركتنا ليست مع العرب أو الأتراك أو الفرس بوصفهم شعوباً، بل مع سياسات الإنكار والاستبداد والعنصرية أينما وجدت. ولأن الكرد سيبقون جزءاً أساسياً من هذه المنطقة، فلا يمكن تحقيق حقوقهم من خلال العزلة أو الانتقام القومي.
علينا مخاطبة الرأي العام العربي والتركي والفارسي بلغاته، وشرح أن الاعتراف بحقوق الكرد لا يعني تقسيم المجتمعات، بل إنهاء الظلم وبناء استقرار حقيقي. كما ينبغي إقامة شراكات مع القوى الديمقراطية والنساء والشباب والمثقفين وكل الجماعات التي تعاني الاستبداد والتمييز.
إن أفضل حماية للكرد ليست أن يصبحوا حراساً لمصالح دولة كبرى، بل أن يكونوا أصحاب مشروع ديمقراطي وإنساني قادر على طمأنة شعوب المنطقة وكسب احترام المجتمع الدولي.
الخلاصةالشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل، وقد تُرسم فيه توازنات جديدة، لكن لا ينبغي انتظار مشروع جاهز يقدمه الآخرون لنا. الحقوق لا تُمنح مجاناً، كما أن الدعم الدولي لا يدوم من دون وحدة داخلية ومؤسسات قوية ورؤية سياسية واضحة.
على الشعب الكردي أن يستفيد من الفرص الدولية من دون أن يبيع قراره، وأن يحافظ على قوته من دون أن يجعل السلاح بديلاً عن السياسة، وأن يتمسك بهويته من دون أن يعادي الشعوب الأخرى.
إن مستقبل الكرد لا يُبنى بالاعتماد المطلق على دولة كبرى، ولا بالشعارات وحدها، بل بوحدة الإرادة، واستقلال القرار، وبناء الإنسان والمؤسسات، وتحويل التضحيات إلى حقوق دستورية وضمانات سياسية دائمة.
فمن لا يضع مشروعه بنفسه، سيجد نفسه جزءاً من مشروع الآخرين.

