ليلى قمر

المرأة بين الذات الواقعية والهوية الرقمية

في وقتٍ أصبحت فيه الحياة النفسية ملازمة للشاشة الزرقاء، لم يعد العالم الافتراضي مجرد مساحة نذهب إليها لبعض الوقت ثم نعود إلى الحياة الواقعية. لا، لقد أصبح جزءًا من الحياة اليومية، وامتدّ تأثيره إلى طريقة التفكير، وتقييم المحيط من حولنا، وتقييم العلاقات، لا بل حتى اختبار المشاعر.

المرأة، باعتبارها طرفًا أساسيًا في التحول الاجتماعي والثقافي، أصبحت ضمن تجربة نفسية جديدة تتداخل فيها الذات الواقعية مع الذات الرقمية.

قبل الآن، كانت صورة المرأة عن نفسها تتشكل بدرجة كبيرة من خلال الأسرة والمدرسة أو العمل والعلاقات الاجتماعية المباشرة والمعايير الثقافية المحيطة بها.

أما اليوم، فقد بدأت الصورة تتشكل من خلال شاشة الهاتف، من صورة منشورة، أو تعليق، أو متابعة، أو رسالة خاصة، أو المقارنة بامرأة أخرى، أو حتى غياب التفاعل الذي كانت تتوقعه.

ومن هنا يظهر مجال يمكن تسميته في علم النفس الافتراضي، وهو مفهوم واسع يمكن استخدامه لوصف دراسة التجربة النفسية للإنسان داخل البيئات الرقمية والافتراضية، وكيف تؤثر التكنولوجيا والتواصل الإلكتروني في الإدراك والعلاقات والمشاعر والسلوك حتمًا.

المرأة، في خضم هذه الدراسة، تجد عالمًا نفسيًا شديد التعقيد؛ فهي لا تستخدم العالم الافتراضي فقط، وإنما قد تجد نفسها مطالبة داخله بأن تكون جميلة، ناجحة، سعيدة، قوية، أنيقة، حاضرة ومثالية في الوقت نفسه.

سؤال دائم الحضور:
ماذا يحدث لنفسية المرأة عندما تتحوّل حياتها إلى مساحة يراها الآخرون ويتمّ تقييمها؟

فهي تكون أو تصنع هوية رقمية، رغم أنّ معظم البشر يمتلكون اليوم نوعًا من الهوية الرقمية، وإن لم يكن حاضرًا بكثافة على مواقع التواصل.

إلا أنّ الهوية الرقمية لدى المرأة قد تتحوّل إلى مساحة شديدة الحساسية؛ لأنها لا تتعلّق فقط بما تقوم به، وإنما بكيفية ظهورها أمام الآخرين.

الصورة الشخصية وما ترتديه، أسلوب الحديث والمخاطبة، الصور العائلية والسفر والعمل، الإنجازات، وحتى طريقة التعبير عن حالة فرح أو ترح، كل ذلك يمكن أن يصبح جزءًا من الشخصية الرقمية.

ربما هنا يكون الوقع النفسي المهم.

المرأة لا تعرض نفسها فقط، بل تبدأ أحيانًا في مراقبة نفسها كما لو كانت شخصًا آخر.

فهي تعاود سؤال نفسها:

هل تبدو جميلة؟ ناجحة؟ سعيدة؟ مناسبة؟ هل كلامها جميل ومفهوم؟ هل يتمّ مقارنتها بغيرها؟ هل لديها عدد كافٍ من الإعجابات؟

مع تكرار هذه الأسئلة، يمكن أن ينتقل مركز التقييم النفسي من الداخل إلى الخارج.

تسأل المرأة:
هل أنا راضية عن نفسي؟

قد تبدأ بالسؤال:
هل المحيط راضٍ عن صورتي؟

وهذا تحول نفسي مهم؛ لأنّ قيمة الذات تصبح مرتبطة بدرجة أكبر بردود الفعل الخارجية.

لتعود المرأة أمام المرآة الرقمية

لطالما كانت المرأة ترى نفسها من خلال مظهرها، أما اليوم فقد ظهرت مرآة جديدة أكثر تعقيدًا: الكاميرا الأمامية.

المرآة التقليدية تعرض صورة محدودة للحظة معينة، بينما الهاتف يسمح بتصوير الوجه والجسد وتعديله، وتغيير الإضاءة، وإخفاء بعض التفاصيل، وإعادة التصوير عشرات المرات.

وهنا جعل ذلك بعض النساء يعشن علاقة أكثر تعقيدًا مع مظهرهن.

فالمرأة قد لا ترى نفسها كما هي، وإنما تبدأ في رؤيتها من خلال عدسة الكاميرا.

المقارنة الاجتماعية في العصر الرقمي

المقارنة جزء طبيعي من النفس البشرية، لكن وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت طبيعة المقارنة.

في الحياة الواقعية، قد تقابل المرأة عددًا محدودًا من النساء خلال يومها، على عكس العالم الرقمي؛ إذ يمكنها أن ترى خلال دقائق مئات أو آلاف النساء: الأكثر جمالًا، وأناقة، ونجاحًا، وسفرًا، وثراءً، ورشاقة، والأكثر حضورًا.

والأخطر أنّ المرأة لا ترى غالبًا حياة هؤلاء النساء كاملة، وإنما ترى الصور التي تتمناها.

وهنا يقع العقل في خطأ نفسي شائع:

المقارنة غير المتزنة.

فقد يقع الإنسان في حالة حب للصورة النفسية التي بناها عن الآخر.

فقد تتعلّق المرأة بشخص من خلال كلمات جميلة يكون لها الوقع الأكبر على نفسيتها، على الرغم من أنها لا تعرف ذلك الشخص، وتجهل مكامنه الداخلية وحالاته اليومية، من غضب وخلاف على أرض الواقع، وحالات معاكسة لكل ما يكتبه.
فهي تشعر بوجدانية المشاعر، لكنها غير مدعومة بالواقع الحقيقي، وهنا يحدث الشرخ الباذخ بين الرقم والحرف فيه والواقع وخامة النفس الأساسية في الواقع.

يمكن للإنسان، امرأةً أو رجلًا، أن يصنع لنفسه هوية رقمية ضمن ضجيج التكنولوجيا، ليتساير مع معايير الحياة اليومية، لكن دون أن يكون ذلك على عكس حقيقته.

لكنه يجب ألا يغفل عن واقعه الذي هو فيه.

ليست المشكلة أن نعيش في عالم افتراضي، وإنما المعضلة هي عندما نغفل عن العيش في عالم الواقع الحقيقي.
لعل الأكثر وضوحًا الآن عدم وضوح الوجود الأنثوي في العالم الافتراضي، حيث أصبحت المرأة كأي سلعة تجارية، والمشكلة بأنها في الشاشة الزرقاء هي من تسوّق نفسها، وتستعمل كل ما فيها ليتمّ متابعتها، حتى لو كان ذلك يؤدّي بها إلى مستنقع مهول الخطورة.

قبل الآن، كتبت موضوعًا عن التكنولوجيا وما صنعته من آفات عجيبة في المجتمع، وللأسف قوبلت بمهاجمة بعض «الملكيين أكثر من الملك».

لكن ومن حيث أهمية هذه الأمور، الدخيلة على الحياة اليومية تم تجزأت الحقائق عن النفس البشرية
حتى بات الشخص نفسه في حالة إزدواجية

وإن كنا هنا نركّز على موضوع المرأة كشريك أساس في قرع طبول الإفتراض في الواقع
لتكون تمتلك شخصية على الشاشة على عكس شخصيتها الواقعية تماماً

وكسؤال يفرض نفسه:
هل كل اللاتي يقدمن أنفسهن عبر العالم الإفتراضي تتمنين أن تكن تلك ملكاتهن وصفاتهن أم أنها طفرة خيال سيطرت على ملكوت الحياة ، وما نعيشه على أرض الواقع الذي نحتاج معالمه الصادقة كي لا تتجزأ الوجدانية وتندثر ونصبح رماد العالم الرقمي ..

ومن هنا أرى بأنّ الدواء تمّ صنعه ك أساس لبتر الداء..أو الحد منه لكن هنا العلاج طريقه ومسلكيته تبدو مستعصية لكنها مؤكد ليست مستحيلة ،
قد نشتاق يوماً للوجوه والأصوات الحقيقية لذا نحتاج الرجوع، وبالهوينى، إلى مدارج الواقع كي لا نتوه أكثر.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “347”