الشاعرة و الكاتبة كَردستان يوسف

تخضع المجتمعات الإنسانية لتراتبية معرفية غير عادلة، فالجهة التي تقبض على ناصية التكنولوجيا والإنتاج المادي تمتلك تلقائياً سطوة تمرير أنماطها السلوكية وتعميم رؤيتها للعالم.

أمام هذا التدفق الكاسح، يصبح لزاماً على الثقافات ذات الخصوصية التاريخية أن تصنع مصدات فكرية ذاتية، فالنموذج الذي ينتجه مجتمع الرفاه والاستهلاك ليس وصفة صالحة للبيئات الإنسانية التي نحتت وجودها من الصخر.

وهنا يبرز الحدّ الفاصل بين فضيلتين فكريتين هما اليقظة النقدية والتمثل الواعي، حيث تكمن معجزة “الذاكرة النسوية” بوصفها عصب اليقظة ووعاء التمثل في آن معاً.

إنّ اليقظة النقدية هي حالة الاستنفار الذهني التي تسمح للمجتمع برصد ما وراء السلوكيات العابرة للحدود، والتساؤل الدائم عن مدى قدرة الوافد على إسناد جدار الهوية أو تقويض أساساته. غير أنّ اليقظة الحقيقية لا تتوقف عند رصد الآخر، بل تبدأ بمراقبة الذات ومكابداتها الداخلية لتفادي غيبوبة فكرية تفرغ الإنسان من وقاره وتحيله إلى سلعة. كما تضيف اليقظة النسوية بُعداً يتمثّل في المراقبة النقدية للذاكرة نفسها، ومراجعة الموروث القبلي الذكوري الذي قد يختزل دور المرأة في خدمة البطولة، بدلاً من أن يكون شريكاً في صناعة القرار. فالمرأة الكُردية تعي أنّ التقليد الأعمى تشوّه، لكنها تعي أيضاً أنّ الجمود داخل القواقع القبلية يُشوّه.

وعلى الضفة الأخرى، يأتي التمثل الواعي كعملية عقلية عميقة تعني تفكيك الوافد وفهمه سياقياً، ومحاكمته بناءً على الميزان القيمي المحلي. التمثل لا يعني الرفض العدمي، بل يعني امتلاك جهاز هضمي ثقافي قوي يأخذ العناصر الحيوية من منجزات العصر المادية والعلمية ، ويدمجها في نسيج الهوية دون إتلاف خلاياها الأصلية.

وإذا كان التمثل الذكي يقتضي إعادة اختراع الرمز، فإنّ المرأة الكَردية قد قدّمت نموذجاً فريداً من التمثل المضاد، فخلقت مساراً ثالثاً يجمع بين أنوثة المقاتلة والحارسة والشاعرة في آن، مستوعبة آليات العصر كالتكنولوجيا والتعليم والسياسة دون أن تبيع جوهرها المتمثل بالشهامة والأنفة والتسامح الأصيل.

وفي هذا الصراع الوجودي بين التلاشي والبقاء، برزت المرأة الكُردية كصانعة للوعي من خلال حراستها لأقوى حصون الهوية وهو التراث الشفهي والنظام البيئي اليومي.

ففي أزمنة التضييق، تحوّلت حنجرة الأم الكُردية إلى أرشيف وطني متنقل يغرس قيم الارتباط بالأرض واحترام التنوع في عقول الأطفال، لتمتدّ هذه الحراسة اليوم إلى الفضاء الرقمي محولة التطبيقات الإلكترونية إلى فضاءات معاصرة للتدوين، مما يثبت أنّ الذاكرة النسوية تكنولوجيا مرنة تتكيّف مع وسائل العصر لتبقي الجوهر حياً.

علاوةً على ذلك، تمتدّ الحراسة لتشمل الجسد والممارسات اليومية كحياكة السجاد وإعداد الأطعمة المرتبطة بالمواسم، مما يؤسّس لاقتصاد مقاوم للاستهلاك، ويمنع تجميد التراث في متاحف ميتة عبر إعادة تركيب الصوت القديم ضمن سياقات معاصرة كقضايا المناخ أو السلام.

إنّ التطور الحقيقي لا يقتضي الانتحار الثقافي، والمسؤول عن فرز رياح العصر وتحويل العواصف إلى تهوية هي الذاكرة النسوية التي تجيد استراتيجية البوابة المزدوجة، فالمرأة بسردها للحكاية وخياطتها للثوب وإدارتها لمعركة البقاء هي المعصم الذي يضبط إيقاع الساعة بين الماضي العريق والمستقبل الطليق، لنستمرّ في التنفس برئة نقية تستمدّ هواءها من قممها الشامخة وترفض الزوال.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد”347″