* بهجت شيخو

وراء عربة الدفش ,كان يشاهد شاب طويل في مقتبل العمر في ذاك الشارع الطويل من مدينة سري كانيه أو ما سميت ( برأس العين ) في زمن تسلط العروبيين ليعلي بصرخته كأنه يقاوم الحياة بها و يدعو المارة لشراء خضرواته ، و يتفنّن بصوته و كلامه، كما يريد و يردّد بالعربية يلا تعال كل خس متل وز و يردّدها بالكُردية (  يلا ورنه فاي خس …. اي نكره زه من آو ترس ) و بالعربية تعني تعالوا هذا هو الخس و الذي لا يشتري مني هو منحط ..

و لكنه لم يفلح و لا مرة ببيع مواده بشكل كامل و ذلك رغم شرواله الكُردي و مسبحته الناعمة الطويلة الملتفةحول عنقه و الذي كان يتباهى بها أمام رفاقه على أنها تشبه مسبحة مام جلال،  و عندما كان يعود أدراجه إلى المنزل تستقبله أمه ضاحكة ها غشو ( xijo ) ابني كان السوق ضعيفاً حتماً، لأنّ عربتك ما زالت محمّلة .. فيردّ غشو مامو السوق كالحركة الكُردية منشقة .. الأفضل أن تعطي تلك الخضروات لعنزتك الشامية و إن زادت عنها وزّعي للجيران .. و يضحك غشو طويلاً؛ لأنه لا تهمّه هذه الخسارة اليومية أبداً، لأنه كان يتمنّى و يطمح بشيء آخر غير الربح و الخسارة، لأنه حتى لو ربح في أحد الايام ،فلا يعني ذلك له شيئاً أمام ما يعتبره عبودية شعبه ،وتلك الكتابات المرسومة التي يشاهدها على جدران المدارس و المؤسسة الاستهلاكية و الأعلام التي ترفرف فوق الدوائر الحكومية و التي لا تمثّل و لو بجزء بسيط من طموحات شعبه ..

انه سيتخذ الشروال و يلفّ عنقه بالمسباح الجلالي حتى يمثل كُرديته، و ها هو غشو يحمل العلم القومي الكُردي و ينتقل بها من مدينة إلى أخرى في الجزيرة الكُردية مع الحملة الدعائية للأعضاء الكُرد المرشحين لمجلس الشعب في دورة عام ألف و تسعمئة و أربعة و تسعين ،و لم ينم غشو تلك الايام التي سبقت الانتخابات فقد كانت فرحته لا تُصدّق ، كان يكلّم نفسه  و يقول: حتماً ستزول تلك الكتابات الملعونة على الجدران و سيرفرف أيضاً علمنا فوق المباني و قد يكون لنا مدارس بلغتنا و .. و … و  إلا أنه اصطدم بقرار الحركة الكُردية بمقاطعة الانتخابات كونها لم تكن نزيهة و ذلك الفضاء المستقل نسبياً أردفه النظام بقائمة أخرى تسمى قائمة الظل مع قائمة الجبهة الوطنية التقدمية، و لم يكن من غشو إلا أن أعلن الاستنكار و التنديد في قرارة نفسه و قرّر ذلك بطريقته الخاصة حيث لفّ نفسه بالعلم الكُردي و انطلق شمالاً نحو الحدود التركية، و لعلّ حظه كان في المرة الأولى مبتسماً حيث سلم من طلقات حرس الحدود التركي ، و تمّ اعتقاله بسبب تجاوزه الحدود بشكل غير شرعي و حكم عليه بستة أشهر سجن حيث قضاها بكلّ رحابة صدر، و من ثم تمّ تسليمه للسلطات السورية، و لكنه لم يسلم أيضاً من الزج ّفي سجونها و قضاء عدة أشهر فيها  و من ثم أفرج عنه .

واستمرّ غشو في مدينته الجميلة كما هو متنقلاً بين عملٍ وآخر ، و لكنه لم يغيره تيه السياسة و حدث ما حدث في انتفاضة قامشلو في ربيع عام ألفين و أربعة تلك الانطلاقة التي كبدت سنوات الضغط في أحاسيس غشو حيث انطلق مع بقية المنتفضين ليمحي تلك الرسومات و الكتابات التي طالما أكرهها و ليرفع علمه القومي فوق الساحات و يصرخ بأعلى صوته: عاشت قامشلو ..عاشت كُردستان .

إلا أنّ غشو لم تكتمل فرحته إذ بعد شهر أو أكثر و بعد ذاك الحلم الجميل تم القبض عليه من قبل أجهزة المخابرات السورية و اقتادوه مع شرواله و مسبحته الطويلة إلى الفروع الأمنية، و في أحد الزانزين طلب منه رجال المخابرات أن يشتم الرموز الكُردية، ولكنّ غشو، ذاك العنيد الذي لم تفلت منه حتى عقارب خرابات سري كانيه، أبى أوامر الجلادين ، وتحمّل  ذاك البطل كل أنواع التعذيب و مشتقاته مبتسماً و قائلاً و بحق الشروال و مسبحتي  لا و لن يحدث ذلك إنها خيانة العمر ،و بعد فترة طويلة تفننوا به بأقسى العقوبات، و أيقن الجلاوذة بأنّ هذا غشو لم يبقَ فيه أمل الحياة حينئذ تمّ إطلاق سراحه .

و لكن ذاك العنيد غشو استقبلته أمه هذه المرة  ليس ككل المرات ضاحكة أو مبتسمة عندما كان يأتي بعربته ذات العحلات الثلاث ، و إنما بتلك الدمعة المنسكبة و التي لم تبرح خدها حيث بقت كغيمة في بطن سماء صافية ..

و لكن هي أيام و ودّع غشو محبيه بلف جنازته بعلمه المفضل إلى مقبرة البلدة و التي قد تكون فيها تلك العقارب بانتظاره أيضاً .

المادة منشورة في جريدة يكيتي ميديا العدد 347