محمد جمعان
كثر الحديث في المرحلة الأخيرة عن «الدمج» بين قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الدولة السورية، حتى أصبح المصطلح يُستخدم أحياناً وكأنه مرادف لحل القضية الكردية. وهذا خلط سياسي وقانوني ينبغي توضيحه.
أولاً: ماذا يعني مصطلح الدمج؟
مصطلح Integration في الإنجليزية، وIntegrasjon في النرويجية، يعني بصورة عامة: الإدماج أو الاندماج ضمن منظومة قائمة، أي إدخال مؤسسة أو قوة أو مجموعة في مؤسسة أوسع، بحيث تصبح جزءاً منها وتخضع لقواعدها وسلطتها.
لكن «الدمج» ليس مصطلحاً سياسياً سحرياً. فمعناه الحقيقي يتوقف على ما الذي يُدمج، وكيف يُدمج، وتحت أي شروط، وماذا يبقى بعد الدمج؟
في الدول الأوروبية يطبقون عملية براج دمج الاجانب / اللاجؤون في مجتمعاتهم الجديدة .
وفي الحالة السورية يجب التمييز بين ثلاثة مستويات:
دمج عسكري: إدخال مقاتلي قسد في الجيش والمؤسسات العسكرية السورية.
دمج أمني وإداري: إدخال المؤسسات الأمنية والمدنية والإدارية في مؤسسات الدولة.
دمج سياسي وحقوقي: معالجة القضية الكردية دستورياً، والاعتراف بالهوية واللغة والحقوق السياسية والثقافية والإدارية للكرد.
الأول والثاني لا يعنيان تلقائياً الثالث.
ثانياً: ماذا حدث فعلياً في حالة قسد؟
الاتفاقات التي جرى التوصل إليها خلال عام 2026 نصت على إدماج القوات والمؤسسات التابعة لقسد والإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية، مع ترتيبات تتعلق بالجيش والأمن والإدارة والحقوق المدنية والتعليمية. وفي مراحل التنفيذ جرى الاتفاق على إعادة تنظيم أجزاء من قوات قسد ضمن تشكيلات تابعة للجيش السوري.
وفي 25 آب/أغسطس 2026 أعلنت قسد رسمياً حلّها كقوة عسكرية مستقلة، وأصبح مقاتلوها جزءاً من منظومة القوات المسلحة السورية وفق الاتفاق.
لذلك فإن وصف ما جرى بأنه «دمج» صحيح من الناحية التقنية إذا قصدنا انتقال القوة العسكرية من وضع مستقل إلى مؤسسة الدولة.
لكن السؤال السياسي الأهم هو:
هل كان ذلك دمجاً متبادلاً، أم انتقالاً من وضع عسكري وإداري مستقل إلى مؤسسات الدولة المركزية؟
هنا يجب ألا نخلط بين المصطلحات.
فالدمج الحقيقي لا يُقاس فقط بدخول الأفراد إلى مؤسسة الدولة، وإنما أيضاً بما إذا كان الاتفاق قد أنتج شراكة سياسية ودستورية متساوية أم اقتصر أساساً على إنهاء البنية العسكرية والإدارية السابقة.
ثالثاً: هل يمكن وصفه بالاستسلام؟
وصف العملية بأنها «استسلام» هو توصيف سياسي وليس مصطلحاً قانونياً دقيقاً.
هناك عناصر تدفع بعض المراقبين إلى استخدام هذا الوصف، خصوصاً أن العملية جاءت بعد مواجهات عسكرية وخسارة قسد أجزاء واسعة من المناطق التي كانت تسيطر عليها، ثم انتهت بحل القوة العسكرية المستقلة وإعادة السلطة المركزية إلى مناطق كانت تتمتع بإدارة ذاتية فعلية.
لكن في المقابل، فإن الاتفاق تضمن أيضاً ترتيبات للحقوق الكردية والمشاركة والإدارة المحلية، كما جرى تعيين شخصيات مرتبطة بالجانب الكردي في مواقع داخل مؤسسات الدولة.
لذلك فإن الأدق سياسياً هو القول:
إن ما حدث هو انتقال من مرحلة الإدارة والقوة العسكرية المستقلة إلى مرحلة جديدة داخل مؤسسات الدولة السورية، ولا يمكن تحديد ما إذا كان هذا الانتقال مكسباً أو خسارة للقضية الكردية إلا من خلال مضمون التسوية الدستورية والسياسية النهائية. وهذه هي النقطة الجوهرية.
رابعاً: هل الدمج إيجابي؟
من حيث المبدأ، احتكار الدولة للسلاح وتنظيم القوات المسلحة ضمن مؤسسة وطنية واحدة يمكن أن يكون أمراً إيجابياً إذا كان جزءاً من بناء دولة ديمقراطية لجميع السوريين.
فلا يمكن بناء دولة مستقرة بوجود جيوش وقوى عسكرية متعددة خارج إطار الدولة.
لكن الدمج يصبح مشكلة إذا كان معناه: دمج الكرد في الدولة دون دمج حقوقهم في الدستور.
وهنا يجب أن يكون الموقف واضحاً: نحن مع اندماج المواطنين الكرد في الدولة السورية على أساس المواطنة المتساوية، ولسنا مع انصهار الكرد أو إلغاء خصوصيتهم القومية والثقافية واللغوية. فالاندماج في الدولة شيء، والانصهار القومي شيء آخر تماماً.
خامساً: أين تكمن المشكلة الحقيقية؟
المشكلة أن هناك محاولة، مقصودة أو غير مقصودة، لاختزال القضية الكردية في قسد.. وهذا خطأ جوهري.
قسد ليست الشعب الكردي. والإدارة الذاتية ليست القضية الكردية. والسلاح ليس القضية الكردية.
وقسد كانت قوة عسكرية تشكلت في ظروف الحرب لمحاربة تنظيم داعش، بينما القضية الكردية أقدم من قسد بكثير، وهي قضية شعب له هوية ولغة وثقافة وحقوق سياسية وقومية وتاريخ من السياسات التمييزية.
لذلك فإن: حل مشكلة قسد لا يعني حل المشكلة الكردية. ودمج قسد لا يعني دمج الحقوق الكردية في الدستور. وحل الإدارة الذاتية لا يعني انتهاء المطالبة الكردية بالحقوق.
سادساً: ماذا ينبغي أن يكون موقف الدولة السورية؟
إذا كانت الدولة السورية تريد فعلاً إنهاء المشكلة الكردية، فلا يكفي أن تقول: «لقد دمجنا قسد».
السؤال الحقيقي هو: ماذا ستقدم الدولة السورية للكرد بعد الدمج؟ هل سيعترف الدستور بالكرد كمكون قومي أصيل في سوريا؟ هل ستُعترف باللغة الكردية وتُحمى وتُدرّس وتُستخدم في المناطق ذات الغالبية الكردية؟ هل ستضمن المشاركة السياسية الحقيقية للكرد؟
هل ستعالج آثار سياسات التمييز السابقة، ومنها مشكلة الجنسية والإحصاء الاستثنائي والحزام العربي ومصادرة الأراضي والتهجير؟
هل ستضمن عودة المهجرين إلى مناطقهم؟ هل ستمنح المناطق المختلفة صلاحيات إدارية وسياسية حقيقية تمكن سكانها من إدارة شؤونهم؟ وهل ستنتقل سوريا من نموذج الدولة المركزية إلى نظام ديمقراطي لا مركزي أو اتحادي يضمن الشراكة بين مكوناتها؟
هذه هي الأسئلة التي تحدد مستقبل القضية الكردية، وليس عدد المقاتلين الذين دخلوا الجيش السوري.
سابعاً: الدمج لا يجب أن يكون «انصهاراً»
هناك فرق جوهري بين: الاندماج في الدولة و الانصهار داخل الدولة.
الأول يعني أن يصبح المواطن الكردي مواطناً سورياً كامل الحقوق، مع احتفاظه بلغته وثقافته وهويته.
أما الثاني فيعني أن يصبح الاعتراف بالمواطنة ذريعة لإلغاء الخصوصية القومية والثقافية.
وهذا ما يجب رفضه. الدولة الديمقراطية الحديثة لا تطلب من مكوناتها أن تتخلى عن هويتها حتى تصبح مواطنة كاملة.
بل تفعل العكس: تحمي التنوع، ثم تبني المواطنة المشتركة فوقه.
الخلاصة.. إن دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة السورية يمكن أن يكون خطوة إيجابية نحو إنهاء الصراع العسكري وبناء دولة موحدة، بشرط ألا يتحول إلى وسيلة لإغلاق الملف الكردي.
فالدمج العسكري يعالج مسألة السلاح، والدمج الأمني يعالج مسألة الأمن، والدمج الإداري يعالج مسألة المؤسسات؛ أما القضية الكردية فتحتاج إلى حل سياسي ودستوري شامل.
ومن هنا يجب أن يكون الموقف الكردي واضحاً: نحن لا نريد جيشاً كردياً داخل سوريا، ولا نريد دولة كردية داخل الدولة السورية؛ نريد دولة سورية ديمقراطية تعترف بالكرد كشعب ومكون قومي أصيل، وتحمي لغتهم وثقافتهم وحقوقهم السياسية، وتمنح مناطقهم حق إدارة شؤونها ضمن نظام دستوري لا مركزي أو اتحادي.
فإذا كان الدمج يعني المواطنة المتساوية والشراكة الدستورية والاعتراف بالحقوق، فهو خطوة إلى الأمام.
أما إذا كان يعني فقط حل قسد، وإلغاء الإدارة الذاتية، وإعادة السلطة المركزية، ثم اعتبار القضية الكردية منتهية، فهو ليس حلاً للقضية الكردية، وإنما حلٌّ لمسألة عسكرية وإدارية واحدة.
القضية الكردية أكبر من قسد، وأقدم من الإدارة الذاتية، وأعمق من مسألة السلاح. والمرحلة القادمة يجب ألا تكون مرحلة السؤال: «كيف ندمج الكرد في الدولة؟»، بل مرحلة السؤال: «كيف نبني دولة يتساوى فيها الكرد والعرب وسائر المكونات، ويشعر فيها الجميع

