محمد جمعان
ليس سهلاً أن نتحدّث بصراحةٍ عن ظاهرة الانشقاقات التي أنهكت الحركة السياسية الكُردية، لأننا جزء منها ، وعشنا مراحلها الصعبة ، وتقاسمنا مع مناضليها التضحيات والملاحقة والحرمان. لكنّ الحرص على القضية لا يعني السكوت عن الأخطاء، والانتماء إلى الحركة لا يعني تبرير كلّ ما يجري باسمها.
لقد كان النضال السياسي الكُردي ،في بداياته، طريقاً للتضحية، ولم تكن المواقع امتيازاً ، ولا السياسة وسيلة للمكاسب. كان المناضل يسأل: ماذا أقدّم لشعبي؟
أما اليوم، ففي بعض الحالات أصبح السؤال: ماذا سأحصّل من موقعي؟
وهنا تبدأ المشكلة.
القضية الكُردية ليست سلّماً للصعود الشخصي، والحزب ليس ملكية خاصة، والقيادة ليست إرثاً، والموقع ليس غنيمة. الموقع مسؤولية، والقيادة تكليف، ومن لا يستطيع التخلي عن موقعه لا يستطيع أن يقود شعباً.
نحن لا نخشى الاختلاف ولا النقد؛ فالاختلاف السياسي حق وضرورة. لكن علينا أن نفرّق بين الخلاف المبدئي وبين الخلاف الذي يخفي وراءه صراعاً على المواقع والنفوذ.
ليس كلّ مَن انشقّ صاحب مشروع، وليس كلّ مَن رفع شعار الإصلاح مصلحاً. وعندما يتحوّل فقدان موقع إلى انشقاق، ثم تُغطّى الخلافات الشخصية بشعاراتٍ وطنية، فإننا لا نكون أمام مشروع سياسي، بل أمام تحويل القضية إلى وسيلة للمصلحة الشخصية.
لقد أُنهِكت الحركة الكُردية بكثرة الانقسامات: تتغيّر الأسماء والقيادات، لكنّ الأزمة نفسها تتكرّر، بينما يبقى شعبنا هو الذي يدفع الثمن.
لذلك علينا أن نسأل أنفسنا بشجاعة:
ماذا قدّمنا للقضية؟ وماذا أخذنا منها؟
فالمناضل الحقيقي لا يُختبر عندما يحصل على الموقع، بل عندما يفقده. ولا يُعرف عندما تكون المصلحة معه، بل عندما تتعارض مصلحته الشخصية مع مصلحة القضية.
إنّ أخطر ما يهدّد حركتنا ليس خصومنا وحدهم؛ فالانقسام غير المبدئي والتنافس الشخصي يضعفان قدرتنا على مواجهة التحديات. وعندما ننقسم لأسباب شخصية، فإننا لا نعاقب بعضنا فقط، بل نضعف القضية كلها.
ومن موقع المسؤولية، أقول بوضوح: كفى تحويل الخلافات الشخصية إلى قضايا وطنية، وكفى استخدام اسم الشعب لتغطية الطموحات الفردية.
نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة: قيادة بلا غرور، ونقد بلا انتقام، وخلاف بلا تخوين، ومنافسة أساسها البرامج لا الأشخاص.
إنّ القضية الكُردية أكبر من الأحزاب، والأحزاب أكبر من الأشخاص، والشعب أكبر من الجميع.
إما أن تكون القضية فوق الأشخاص، وإما أن نبقى ندور في دائرة الانشقاق والمصلحة الشخصية، بينما يواصل شعبنا دفع الثمن.
والتاريخ في النهاية لن يسألنا كم منصباً شغلنا، بل سيسأل: هل خدمنا القضية، أم استخدمنا القضية لخدمة أنفسنا ؟
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “347”

