فرحان مرعي

لا توجد حروب مقدسة؛ فالحروب، مهما اختلفت شعاراتها، تحكمها في النهاية المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، فيما تبقى الأيديولوجيا وسيلة لحشد الأنصار وتبرير الصراع.

يشكّل المشرق، الممتدّ من سوريا والعراق إلى إيران وتركيا، قلب الشرق الأوسط، بما يمتلكه من ثروات طبيعية ومواقع جغرافية استراتيجية وتنوع سكاني وثقافي وديني، يجعله محورًا دائمًا للتنافس الدولي. ومن هنا، يرى كثير من الباحثين أنّ أي مشروع لإعادة رسم خريطة المنطقة ،وفق الرؤية الغربية، يمرّ حتمًا عبر إعادة تشكيل موازين القوى في هذه الدول.

لقد شهدت سوريا والعراق خلال العقدين الماضيين تحولات عميقة أضعفت الدولة المركزية المفرطة ، وأدخلتهما في أنماط جديدة من الحكم والصراع. واليوم تبدو إيران، في نظر كثير من المحللين، الحلقة الأكثر تعقيدًا في هذا المسار، نظرًا لحجمها الجغرافي وثقلها السكاني وقدراتها العسكرية وتأثيرها الإقليمي.

ويبدو أنّ الولايات المتحدة اعتمدت خلال العقود الأخيرة نهجًا مختلفًا عن الحروب التقليدية، يقوم على العقوبات الاقتصادية طويلة الأمد والاستنزاف المالي والسياسي، وتوظيف القوى الإقليمية والمحلية، وتقليص الحاجة إلى التدخل البري المباشر. وعندما يصل الخصم إلى مرحلة من الإنهاك، يصبح التدخل العسكري المحدود أكثر تأثيرًا وأقل تكلفة.

ومن هذا المنظور، يرى أصحاب هذا الطرح أنّ إيران تخضع منذ سنوات لهذه الاستراتيجية؛ بدءًا من العقوبات الاقتصادية المشددة، مرورًا بالضغوط الداخلية والإقليمية، ووصولًا إلى المواجهات العسكرية التي تصاعدت خلال عامي 2025 و2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

في المقابل، تدرك طهران أنها ليست دولة هامشية يمكن إسقاطها بسهولة، فهي وريثة دولة ذات مؤسسات راسخة، وتملك شبكة واسعة من الحلفاء والنفوذ الإقليمي. ولذلك اعتمدت استراتيجية تقوم على الصبر وكسب الوقت وإطالة المفاوضات، وتوسيع ساحات الاشتباك، بما يرفع كلفة أي مواجهة مباشرة على خصومها.

وقد نجحت، إلى حد كبير، في نقل مركز الصراع من الملف النووي وحده إلى أمن الملاحة الدولية، ولا سيما في مضيق هرمز، وامتدادًا إلى باب المندب، إضافة إلى استهداف المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، باعتبار أنّ الوصول العسكري المباشر إلى الأراضي الأمريكية يبقى خيارًا غير واقعي.

وهكذا، تحوّل مضيق هرمز إلى أهم أوراق القوة الإيرانية. وقد نُسب إلى أحد مستشاري المرشد الإيراني قوله إنّ “مضيق هرمز أهم من عشرات القنابل النووية”، في إشارة إلى القيمة الاستراتيجية للمضيق، الذي يمرّ عبره نحو خمس صادرات النفط العالمية، وتتحكم في ٢٠ ٪ من التجارة العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. ولذلك فإنّ أي تهديد لحركة الملاحة فيه ينعكس فورًا على أسعار الطاقة، وطرق الإمداد، والتجارة الدولية، ويضع الاقتصاد العالمي تحت ضغط شديد.

وبذلك، أصبحت المواجهة تقوم على محورين متلازمين: الأول هو البرنامج النووي الإيراني، بوصفه تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد، والثاني هو مضيق هرمز، بوصفه ورقة ضغط اقتصادية وأمنية ذات تأثير فوري. ومن هنا، تسعى طهران إلى استخدام هذه الورقة لتحسين شروط التفاوض، ورفع كلفة الضغوط المفروضة عليها، وتحويل أي تصعيد إلى أزمة دولية تتجاوز حدود المنطقة.

والسؤال الملحّ :هل يقترب النظام الإيراني من السقوط؟
يبقى هذا السؤال الأكثر تعقيدًا في المشهد الحالي. فهناك من يرى أنّ تراكم العقوبات الاقتصادية، والضغوط العسكرية، والأزمات الداخلية، واستنزاف الموارد، قد يؤدّي في النهاية إلى إضعاف النظام بصورة كبيرة، وربما يدفعه إلى تقديم تنازلات جوهرية أو مواجهة تحديات داخلية غير مسبوقة.

في المقابل، يرى آخرون أنّ التجربة الإيرانية أثبتت قدرة عالية على التكيف مع الضغوط، وأنّ مؤسسات الدولة، ولا سيما الأمنية والعسكرية، ما تزال متماسكة، الأمر الذي يجعل سيناريو الانهيار السريع أقل ترجيحًا. كما أنّ أي تغيير جذري في إيران ستكون له تداعيات واسعة على أمن الخليج، وأسواق الطاقة، والتوازنات الإقليمية، وهو ما يدفع العديد من القوى الدولية والاقليمية إلى التعامل بحذر مع أي سيناريو قد يؤدّي إلى فراغ في السلطة.

لذلك، فإنّ الحديث عن سقوط النظام الإيراني لا يزال في إطار الاحتمالات السياسية، وليس نتيجة حتمية. فمستقبل الصراع سيتوقّف على قدرة كل طرف على تحمّل كلفة المواجهة، وعلى ما إذا كانت الضغوط الاقتصادية والعسكرية ستدفع طهران إلى تسوية سياسية، أم أنها ستنجح في مواصلة سياسة الصمود وكسب الوقت.

وفي جميع الأحوال، لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تدور حول تخصيب اليورانيوم فقط، بل أصبحت معركة على النفوذ، والطاقة، والممرات البحرية، وإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، حيث قد يكون مضيق هرمز اليوم أكثر تأثيرًا في مسار الصراع من كثير من الأسلحة التقليدية، وربما أصبح، في هذه المرحلة، الورقة الأكثر حساسية في معادلة التفاوض والمواجهة.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد”347″