جيندار بركات

لم تكن الأزمة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مجرد مواجهة حول البرنامج النووي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة كل طرف على فرض رؤيته للحظة المقبلة في الشرق الأوسط، وبينما بدا أنّ إسرائيل تميل منذ البداية إلى خيار الحسم السريع عبر الضربة العسكريّة، فضّلت الولايات المتحدة، رغم مشاركتها المباشرة في الحرب، إبقاء مساحة للمفاوضات والضغط الاقتصادي والعقوبات، هذا التباين في الأدوات والاستراتيجيات منح طهران هامشاً للمناورة، وربما كان أحد العوامل التي ساعدتها على الانتقال من موقع الدفاع إلى محاولة إدارة الأزمة بدل الاستسلام لها.

إيران دخلت المواجهة وهي تدرك أنّ حجم الخطر هذه المرة مختلف عن الأزمات السابقة، فالمفاوضات الأمريكيّة – الإيرانيّة التي سبقت الحرب لم تصل إلى تسوية نهائيّة، فيما بقيت ملفات البرنامج النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي في صلب الخلاف.

ومع تصاعد الضغوط، بدا أنّ طهران حاولت في البداية إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، لكنها سرعان ما أدركت أنّ سقف المطالب الأمريكيّة والإسرائيليّة يتجاوز مجرد تعديل بعض بنود الاتفاق، وأنّ المسألة أصبحت مرتبطة أيضاً بإضعاف قدراتها الإقليميّة وإعادة رسم دورها في المنطقة.

هنا تحديداً تغيرت الحسابات الإيرانيّة، فبدل أن تتعامل مع الأزمة باعتبارها مواجهة يمكن احتواؤها عبر تنازلات محدودة، بدأت طهران تتصرف على أساس أنّ الهدف النهائي للضغط عليها قد يصل إلى تغيير طبيعة النظام نفسه، ولذلك لم يعد الدفاع عن البرنامج النووي وحده كافياً بالنسبة إليها، بل اتجهت إلى الدفاع عن شبكة نفوذها الإقليميّة، باعتبارها جزءاً من منظومة الردع التي بنتها خلال عقود.

وهذه النقطة مهمة لفهم السلوك الإيراني، فطهران لا تنظر إلى حلفائها المسلحين في المنطقة باعتبارهم ملفاً منفصلاً عن أمنها القومي، بل كأوراق نفوذ تستطيع من خلالها رفع كلفة أي ضغط عليها، ولهذا فإنّ أي مفاوضات لا تشمل هذه المنظومة أو تحاول تفكيكها بالكامل ستبقى، من وجهة نظر إيران، ناقصة.

لكن إيران استفادت أيضاً من عامل آخر: الوقت، إسرائيل كانت أكثر استعداداً للذهاب نحو خيار عسكري مباشر وسريع، لأنّها ترى أنّ استمرار القدرات النوويّة والعسكريّة الإيرانيّة يمثل خطراً لا يمكن تركه يتراكم، أما واشنطن، فرغم مشاركتها العسكريّة، بقيت أكثر اهتماماً بإدارة كلفة الحرب، وترك باب العقوبات والمفاوضات مفتوحاً، وفي الأيام الأخيرة عاد هذا المسار إلى الواجهة بوضوح، مع انتقال واشنطن إلى تشديد الضغط الاقتصادي والعقوبات بدل توسيع العمليات العسكريّة.

وبالنسبة لإيران، فإنّ كل يوم إضافي لا يعني بالضرورة خسارة، الدولة التي تملك قدرات عسكريّة وصاروخيّة واسعة، وخبرة طويلة في التعامل مع العقوبات، وشبكات اقتصاديّة غير رسميّة تساعدها على الالتفاف جزئياً على الضغوط، تستطيع أن تراهن على عامل الإرهاق لدى خصومها، وعلى ارتفاع كلفة الحرب إقليمياً ودولياً، وهذا لا يعني أنّ إيران خرجت من الحرب منتصرة أو أنّها غير متضررة؛ بالعكس، تعرّضت لضربات قاسية وخسائر كبيرة، وتواجه اليوم أزمة اقتصاديّة خانقة وضغوطاً متزايدة، لكن الفرق بين الخسارة والانهيار كبير.

وهذا ما يبدو أنّ طهران تحاول استثماره سياسياً، فالمطلوب بالنسبة إليها ليس بالضرورة الانتصار العسكري التقليدي، بل منع خصومها من تحقيق الهدف الأكبر: فرض استسلام سياسي يؤدي إلى تغيير قواعد النظام الإيراني من الداخل.

لذلك، فإنّ العقوبات وحدها قد لا تكون كافية، كما أنّ الضربات العسكريّة وحدها لم تؤدِ إلى إنهاء الأزمة، التجربة الحاليّة أظهرت أنّ إسقاط القدرات العسكريّة الإيرانيّة أو إضعافها لا يعني بالضرورة إسقاط النظام، وأنّ الضغط الاقتصادي، مهما كان قاسياً، يحتاج إلى مسار سياسي قادر على إنتاج نتيجة واضحة.

في النهاية، ربما تكون أكبر ورقة تمتلكها إيران اليوم هي قدرتها على الصمود والمراهنة على الزمن، وأكبر مشكلة تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل هي أنّ تعريف الحسم نفسه ليس واحداً بينهما.

فإسرائيل تريد إزالة الخطر قبل أن يكبر، بينما تريد واشنطن، في مرحلتها الحاليّة، تحقيق أهدافها مع تقليل كلفة الانخراط العسكري المباشر.

وبين الرغبة الإسرائيليّة في الحسم، والحسابات الأمريكيّة الأكثر تدرجاً، تجد إيران مساحة للمناورة، لكنها مساحة ضيقة أيضاً؛ لأنّ استمرار الحرب والعقوبات واستنزاف الاقتصاد قد يحولان عامل الوقت من ورقة قوة إلى عبء ثقيل.

ولهذا، فإنّ السؤال الحقيقي لم يعد: من يستطيع ضرب الآخر أكثر؟ بل: من يستطيع الصمود سياسياً واقتصادياً وعسكرياً إلى اللحظة التي يصبح فيها التفاوض أقل كلفة من استمرار المواجهة؟ وهنا تحديداً ستتحدد نتيجة الصراع.