خالد أبو صلاح
كلما سمعت عبارة “الجيش العربي السوري”، لا تستوقفني صور البطولة أو التحرير.. بل تستوقفني ذاكرة أخرى؛ مدنٌ تُقـ.ـصف، وبيوتٌ تُهدم على رؤوس أهلها، وعائلات تُشرَّد وتُهجَّر تحت سنابك الجيش والعسكر.
هذا الاسم، الذي يحمل صفة “العربية”، صار في وجداني مرادفًا للألم والخيانة، لا للعروبة أو الشرف. وأعتقد أن الكثير من السوريين يشاركونني هذا الشعور.
وكذلك “الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا”، التي ارتبط اسمها بتزوير المشهد، وتشويه الحقائق، وتبرير الحرب على السوريين بحجة “محاربة الإرهاب”.
أصبحت هذه التسميات “العربية” عبئًا ثقيلًا على الذاكرة، وندبة لا تندمل في العقل الجمعي السوري.
نبذة عن تاريخ التسمية وتوظيف الانفصاليين لها:
بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1946، اتخذت سورية اسم “الجمهورية السورية”، وفي خمسينيات القرن الماضي، مع إقرار دستور 1950 (دستور الاستقلال)، أصبحت جمهورية برلمانية ذات نظام نيابي منتخب. اسم وطني، بلا مزاودات، أقره برلمانها ودستورها المحترم للإرادة الشعبية.
ثم جاء انقلاب الـ28 من سبتمبر 1961 بقيادة عبد الكريم النحلاوي أنهى الوحدة مع مصر، التي اعتمدت اسم “الجمهورية العربية المتحدة” وبعد الانفصال مباشرة، اعتمدت الدولة الجديدة اسم “الجمهورية العربية السورية”، مع بقاء العلم والنشيد كما هما. ⁉️لماذا⁉️؟ لأن الضباط الانفصاليين كانوا يعرفون أن الشعب لن يتقبل انقلابهم على الوحدة، فاحتاجوا إلى “إنقاذ ماء الوجه”، فأبقوا على لفظ “العربية” لإظهار تمسكهم المزعوم بالقومية وتجنب الاتهامات بعدم الوحدوية. حيلة رخيصة؛ ترفع شعار العروبة للعب على مشاعر الناس.
والأدهى أن هذا الاسم لم يُفرض بقوة السلاح فقط، بل تحوّل الخطأ التاريخي إلى “شرعية” مزعومة في حقبة حزب البعث ثم عهد الأسدين، الأب والابن اللذين رسّخا هذا المسمى بالـ.ـدم والقـ.ـمع، وجعلا منه غطاءًا لديكتاتورية عائلية لا علاقة لها بالعروبة ولا بسورية.
أنا شخصيًا، لا أستطيع حتى اليوم استساغة هذه الإضافات البراقة الفارغة من المضمون:
“الجمهورية العربية السورية”، “الجيش العربي السوري”، “سانا العربية”.. كلها تسميات استُخدمت للعب على مشاعر الناس، وتبرير الانقلابات والحروب، وتزييف الوعي تحت راية القومية.
لهذا، أنا مع العودة إلى اسم “الجمهورية السورية” الخالص والنظيف. اسم الاستقلال الأول، والبرلمان المنتخب، والهوية الوطنية الجامعة، قبل أن تحرفه النخب الحاكمة الرخيصة لخدمة أجنداتها الضيقة.
تصحيح التاريخ ليس تنازلاً لأي أحد، لأنه واجب وطني.تصحيح الخطأ ليس خيانة للقومية، بل دفاع عن بلد لا يزال يدفع الثمن كل يوم لأنه لم يجرؤ حتى الآن على مواجهة ماضيه الأحادي المؤدلج والمسيّس.
سورية تستحق اسمًا لا ينكأ جراحها مجددًا، بل يعبّد طريقًا للمواطنة الحقيقية التي تلبي طموح جميع أبنائها الأحرار على مختلف انتماءاتهم.
وفي الختام، روى الإمام أحمد وأبو داود أن النبي ﷺ مرَّ على قوم من الأنصار (أو من قريش في رواية أخرى) وكانوا يتفاخرون بأنسابهم، كل واحد يذكر قبيلته ويُعليها على الأخرى. فقال لهم النبي ﷺ: “دعوها فإنها منتنة”، يعني: اتركوا هذا الفخر والتفاخر بالأنساب والألقاب، لأنه ريحته كريهة مثل ريح الجيفة المتننة.
