فرحان مرعي

في العادة، تُدار الدول عبر مؤسساتها الرسمية: الحكومة، البرلمان، القضاء، الدستور، الجيش، والإدارات المختلفة. هذا هو النمط المألوف والمرئي في معظم دول العالم، لكن خلف هذا الواقع المرئي، وفي الخفاء أحياناً، توجد قوى أخرى تحكم، تُعرف في أدبيات السياسة بأسماء عدة: حكومات الظل، القوى الضاغطة الخفية، أو “الدولة العميقة”، وهو المصطلح الأكثر شيوعاً على المستوى العالمي. هذه القوى الخفية عادةً ما تكون قليلة العدد، لجنة مصغرة لا يتجاوز عدد أفرادها الخمسة أو الستة، تدور في فلكهم جميع الدوائر الأخرى.

إلا أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ذات الطابع الديني والطائفي، استحدثت نموذجاً مختلفاً وفريداً من الدولة الموازية؛ إنه نموذج “الدولة الموازية العلنية” التي تعمل جنباً إلى جنبٍ مع الدولة الرسمية، ليس فقط داخل إيران ذاتها، بل أنها صدّرت هذا النموذج إلى أكثر من بلد عربي.

فإيران هي في واقع الأمر دولتان في دولة واحدة: هناك “دولة المرشد الفقيه”. هذه الدولة لها مؤسساتها العسكرية والأمنية (كالحرس الثوري)، والاقتصادية (كالمؤسسات الخيرية الضخمة)، والدينية ( الحوزات) وهي التي تحكم البلاد فعلياً، بيدها القرارات النهائية، قرارات السلم والحرب، رسم الخطط الاستراتيجية، وحتى تعيين الوزراء والمدراء والبرلمانيين بشكلٍ غير مباشر.

إلى جانب هذه الدولة الموازية، توجد الدولة الرسمية المألوفة للعالم: رئيس الجمهورية، الحكومة، البرلمان، القضاء، والدستور، والتي تأتي عبر انتخابات وصناديق اقتراع وتحمل في ثناياها بعض سمات اللعبة الديمقراطية، لكنها في الممارسة العملية مجرد دولة “تصريف أعمال” لا تملك قراراً سيادياً حقيقياً.

لم تكتفِ إيران بتطبيق هذا النموذج محلياً، بل عملت على تصديره عبر سياسة “تصدير الثورة” إلى دول الجوار، ولا سيما العربية عبر نموذجه( دولة ضمن دولة) ،  وتغلغل بشكل أخطبوطي في هذه الدول. وقد صرّحت إيران مراراً بأنها تتحكّم في خمس عواصم عربية:

في العراق: بعد سقوط نظام صدام حسين، وجدت إيران ضالتها، صحيح أنّ هناك مرجعية دينية عليا (آية الله السيستاني) لها هيبتها، إلا أنّ النفوذ الإيراني تجسّد في دعم فصائل عسكرية وسياسية عقائدية، تعمل كنسخة عملية عن “ولاية الفقيه” في تنصيب الحكومات وتحديد الوزراء والمناصب السيادية. واليوم، تقاتل هذه الفصائل، المعروفة بالحشد الشعبي (الشيعي الموالي لإيران)، نيابةً عن طهران في الصراع الدائر بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. والمفارقة أنّ هذه الفصائل تصل أحياناً إلى حد ضرب الجيش العراقي والبيشمركة التابعة لإقليم كُردستان العراق والمواطنين بحجة تعاملهم مع أمريكا أو إسرائيل، مما يهدّد أمن العراق واستقراره ومصالحه.

في لبنان: شكّل “حزب الله” اللبناني، لعقود، دولة موازية إيرانية داخل الدولة اللبنانية، خاصةً في الجنوب. يتحكّم الحزب بالقرار اللبناني وسيادة الدولة، ويأخذ قرارات السلم والحرب باسم “المقاومة” و”الممانعة”، وهي سياسات جلبت للبنانيين الحروب والويلات. والأمين العام للحزب صرّح مؤخراً بأنهم أعلنوا الحرب وأطلقوا الصواريخ على إسرائيل انتقاماً لاغتيال خامنئي ، مما جرّ ردوداً إسرائيلية عنيفة على لبنان وزجّه في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل!!!! كما تدخل الحزب إلى جانب نظام بشار الأسد لقمع الثورة السورية عام 2011، كونه جزءاً من “محور المقاومة” والحليف الاستراتيجي لإيران.

  • في سوريا: إلى جانب دعم نظام الأسد، أنشأت إيران إدارة موازية أخرى عبر دعم حزب العمال الكُردستاني وفروعه في شمال شرق سوريا الغني بالثروات، مستغلة الأزمة لإدارة مناطق النفوذ،

واستمرّ هذا الحال حتى سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024.

و في فلسطين: أنشأت إيران “حكومة موازية” للسلطة الفلسطينية ممثّلة بحركة حماس في قطاع غزة، ونتيجة  السياسات المتهورة لهذه الحركة  جلبت حرب مدمرة للقطاع ،حوّلته

إلى ركام في حرب مدمرة مستمرّة منذ أكثر من عامين ، دفع ثمنها المدنيون الفلسطينين آلاف القتلى والجرحى وملايين النازحين !!!!

  • في اليمن: يمثّل “النموذج الحوثي” الإيراني نسخة طبق الأصل من دولة موازية إلى جانب الدولة اليمنية الرسمية، تعيش البلاد بسببها منذ سنواتٍ في حربٍ داخلية مدمرة، أحرقت الأخضر واليابس بدعمٍ مباشر من إيران.

خاتمة:

نتيجة  للسياسات الإيرانية،  وتدخّلها السافر في شؤون المنطقة، وتحويلها إلى ساحات حروب وخراب، استبشرت شعوب المنطقة خيراً عندما شنّت أمريكا وإسرائيل حرباً على إيران للمرة الثانية في أقل من عام. ليس حباً في الحرب أو في أمريكا أو إسرائيل، بل كرهاً في النظام الإيراني الذي أذاقهم الويلات والكوارث  وتأمل هذه الشعوب أن يؤدّي أي ضغط إلى سقوط هذا النظام الطائفي وإنهاء تدخلاته في شؤون بلدانهم. كما تضامنت هذه الشعوب مع الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية الإيرانية ضد حكومتها الدينية الاستبدادية.

في الواقع، إنّ سقوط هذا النظام ودولته الدينية والطائفية سينعكس إيجاباً على منطقة الشرق الأوسط برمتها. قد يفتح ذلك الطريق أمام شعوب المضطهدة ، والشعب الإيراني نفسه، وخاصةً الكُرد وغيرهم من القوميات لتقرير مصيرها بحرية، وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في كامل أرجاء الشرق الأوسط.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “342”